وهذا التصنيف البديع الذي وضعه الإمام الشاطبي - رحمه الله - ينطبق أفضل انطباق علي الهدي الإسلامي في ضمان صحة البيئة الصحية التي لا بد منها لحفظ هذه الضروريات.
المطلب الثاني
التدابير الإسلامية اللازمة للحفاظ على البيئة
التدابير الإسلامية للحفاظ على البيئة نوعان: ـ
1 ـ تدابير وقائية تدرأ عن البيئة الاختلال الواقع أو المتوقع فيها
2 -وتدابير تعزيزية تقيم أركان البيئة وتثبت قواعدها.
أولًا: التدابير الوقائية:
وهذه التدابير الوقائية تنقسم إلي قسمين: عدم تلويث البيئة من جهة، وعدم استنفاذ العناصر الضرورية للحفاظ علي سلامتها من جهة أخرى.
التدبير الوقائي الأول: عدم تلويث البيئة بما يؤذي الناس:
وذلك ابتداءً من البيئة الصغيرة بيئة المنزل وما شابهه من أماكن محصورة يمكث فيها عدد محدود من الناس، فلا يجوز بل يحرم تلويثها مثلًا بدخان السجائر الذي أصبح ضرره اليوم عين اليقين، ومرورًا ببيئة الجوار حيث يحرم علي صاحب المصنع أن يسكب نفايات مصنعه في المياه المشتركة بين الناس، أو يطلق أدخنة مصنعه دون تصفية أو ترشيح، فيلوث جو المدينة وهواءها الذي يتنفسه الناس، بل يحرم التلويث الضوضائي بالأصوات العالية التي تزعج الناس، لأن الله - سبحانه وتعالى - يقول: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير} [1] ، ويقول: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [2] .
وانتهاء بالبيئة العالمية الواسعة التي تضر بها علي سبيل المثال المواد الفلوركاروبونية التي تستخدم في البخاخات وأجهزة التبريد، والأكاسيد الآزوطية التي تصدرها عوادم السيارات، وكلها من المواد التي تستنضب الأوزون من الطبقات الجوية العليا من جهة، فتعرض سكان العالم إلي الآثار المضرة للأشعة فوق البنفسجية، ولكنها من جهة أخرى تساعد في الوقت نفسه على توليد الأوزون في الطبقات الجوية الدنيا، فتزيد من هجمات الربو، وتهيج الحنجرة والجهاز التنفسي، وتخرب النبات، وتؤخر نموه.
أما التدبير الوقائي الثاني: فهو عدم استنفاذ العناصر الضرورية للحفاظ على سلامة البيئة، فقد نهي النبي - - مثلًا - عن الإسراف في استعمال الماء، حتى في التنظيف والتطهير، وضرب بنفسه المثل لذلك، فقد كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد [3] ، والمد أقل من نصف لتر، والصاع أقل من لترين اثنين، بل روى الإمام عبيد في كتاب الطهور عن أبي الدر داء عن النبي - أنه مر بنهر فنزل وأخذ قعبًا - وعاء معه - فملأه من الماء ثم تنحى عنه أن يقطع من شجر المدينة شئ [4] ، وقال عن واد
(1) من الآية"19"من سورة لقمان.
(2) من الآية"205"من سورة الأعراف.
(3) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه 1/ 84، كتاب الوضوء، باب الوضوء بالمد، الحديث رقم: (198) .
(4) أخرجه الإمام الطبراني في مسند الشاميين 2/ 346، الحديث رقم (1469) ، وجاء في كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال لعلاء الدين علي بن حسام الدين المتقي الهندي البرهان فوري 9/ 324 تحقيق: بكري حياني - صفوة السقا، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة الخامسة 1401 هـ 1981 م، الحديث رقم (26243)