ونهى كذلك أن يبال في الماء الراكد، فقد روى البخاري عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي -"قَال لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائم الَذي لا يجرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فيه" [1]
وجعل إماطة الأذى عن الطريق صدقة، فقد أخرج الطبراني في الكبير، والبخاري في الأدب المفرد، عن المستنير بن الأخضر بن معاوية بن مرة عن جده قال: كنت مع معقل بن يسار في بعض الطرقات، فمررنا بأذى فأماطه عن الطريق، فرأيت مثله فنحيته، فأخذ بيدي وقال يا ابن أخي ما حملك على ما صنعت؟ قلت يا عم: رأيتك صنعت شيئًا فصنعت مثله، فقال: سمعت رسول الله - يقول:"من أماط أذى من طريق المسلمين كتب الله له حسنة ومن تقبلت منه حسنة دخل الجنة" [2] .
ـ وعن أَبِي هريرةَ أَنَّ رسولَ اللَّه - - - قَالَ:"بينما رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وجد غُصْنَ شَوْكٍ علَى الطَرِيقِ فَأَخَّرَهُ فشكر اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ" [3]
وهكذا نرى أن الإسلام بتعاليمه وأحكامه حرص على وقاية البيئة من التلوث، وأوجب على الإنسان المحافظة على الكون وعمارته، لتتحقق له السعادة المنشودة، فإذا أدرك الإنسان السر، وأدى الأمانة التي تحملها، كانت له الحياة الطيبة، قال - تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [4]
وإذا أعرض الإنسان ونأى بجانبه، ولم يؤد الأمانة على الوجه المطلوب، كانت حياته ضيقة قاسية، إذ الأمراض والأوبئة والتلوث ضرب من ضروب الضيق، وصدق الله القائل: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [5]
يقول الإمام الشاطبي في الموافقات:"وقد اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وليس يخفي أن ثلاثًا علي الأقل من هذه الضروريات الخمس وهي: النفس، والنسل، والعقل، لا"
تكتمل المحافظة عليها إلا بحفظ الصحة" [6] "
وعن هذه الضروريات يقول الإمام الشاطبي:"والحفظ لها يكون بأمرين:"
أحدهما: ما يقيم أركانها، ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود، والثاني: ما يدرًا عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم [7] .
(1) (متفق عليه) ، (صحيح البخاري 1/ 94، كتاب الوضوء، باب البول في الماء الدائم، الحديث رقم:(236) ، وصحيح مسلم 1/ 235، باب فضل الوضوء، باب النهى عن البول في الماء الراكد، الحديث رقم: (282 ) ) .
(2) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 20/ 216، رقم: (502) ، عن المستنير بن الأخضر بن معاوية عن أبيه، قال الهيثمى في مجمع الزوائد 3/ 136:"قال المزي: صوابه عن المستنير بن أخضر بن معاوية بن قرة عن جده، كما رواه البخاري في كتاب الأدب، فإن كان كما قال المزي فإسناده حسن - إن شاء الله - وإن كان فيه: عن أبيه أخضر فلم أجد من ذكر أخضر".
(3) جزء من حديث متفق عليه. (صحيح البخاري 1/ 233، كتاب الجماعة والإمامة، باب فضل التهجير إلى الظهر، الحديث رقم:(624) ، وصحيح مسلم 3/ 1521، كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء، الحديث رقم: (1914) .
(4) الآية"97"من سورة النحل.
(5) الآية"124"من سورة طه.
(6) الموافقات للشاطبي 1/ 38.
(7) الموافقات للشاطبي 2/ 8.