يخرج منها الدخان لئلا يتضرر بذلك السكان كما كان المحتسب يمنع الصباغين من وضع أفرانهم في الشوارع لما تبعثه من أدخنة تضايق المارة والسكان" [1] ."
ب: موقف الفقهاء من تلوث الهواء بالروائح الكريهة:
اهتم فقهاء المسلمين بحماية البيئة من التلوث بالروائح الكريهة، ومن ذلك ما رواه جابرـ - رضي الله عنه - ـ عن الرسول ـ - ـ"من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا" [2]
فإذا كان على آكل الثوم أو البصل أن يبتعد عن المسجد كي لا يضيق إخوانه من المسلمين برائحة فمه، فإنه يكون من الأولي عدم السماح للروائح الكريهة من الانتشار في أجواء المدن وسكانها، كالروائح الناتجة عن حرق البلاستك والأقمشة والروائح الناجمة عن العرق، فعن أبي هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله ـ - ـ:"من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه خفيف الحمل طيب الريح" [3] .
ومن ذلك روائح البول وتحلل مياه المجاري وفساد الأطعمة، وروائح بعض الغازات والأبخرة مثل ثاني أكسيد الكبريت، كبريتيد الهيدرجين، والمنتجات البترولية.
وتحفل كتب الفقه الإسلامي بأمثلة كثيرة تدل على عناية فقهاء المسلمين بحماية الهواء من التلوث بالروائح الكريهة.
فلقد سئل مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ - رحمهم الله- عن حكم شخص أقام مدبغة في بيته، تنبعث منه الروائح الكريهة، فتؤذي جيرانه وتسبب لهم الضرر، فأجمع كل من الفقهاء الثلاثة على حق جيرانه في إيقافه، وحكموا بإغلاق مدبغته، ويتساوى في هذا الحكم حفر مرحاض أو مصرف غير مغطي، وكل ما ينبعث منه روائح كريهة، فقد أفاد ابن عتاب، وابن عبد الغفور بضرورة وقف هذه الأنشطة أو تغطيتها لمنع رائحتها التي تزكم الأنوف من مضايقة الجيران. [4]
وكانت توكل إلى المحتسب مهمة مراقبة تلوث بيئة المدينة والأسواق من التلوث بالروائح. [5]
وتؤكد كتب الحسبة على أن بيع الأسماك يجب أن يتم بعيدًا عن سوق المدينة. [6]
وعلى المحتسب أن يتابع تنفيذ ذلك، كما كان عليه أن يمنع كل من تسول له نفسه أن يطرح النفايات والجيف في الأسواق والطرقات، ويمنع الخضارين وغيرهم من طرح أزبالهم في الطرق، حتي لا تنتج عنها روائح كريهة، وحتى لا تكون مرتعا للحشرات ومصدرًا من مصادر التلوث. [7]
أ ـ مكانة الأرض في القرآن الكريم:
يؤكد القرآن الكريم على مكانة الأرض وقيمتها، وأنها آية من آيات الله، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [8] ، ويقول تعالى {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [9] .
ويذكر الخالق سبحانه وتعالي الإنسان بأنه هو وحده الرازق، فيقول تعالي: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [10]
ويحفل القرآن الكريم بعشرات الآيات التي توضح مكانة الأرض وما تحتوي، ويجب علي الإنسان أن يراعيها، ويصون نعمة الخالق الذي خلقها له بضمير وعناية لحاضره، ولمن يأتي من بعده من ذريته.
ولكن تزايد أعداد البشر والتطور التكنولوجي انعكس ذلك على البيئة، وظهرت أنانية الإنسان في الرغبة في الكسب السريع في النمو في المشاريع الكبيرة التي جاءت على حساب الأرض الخضراء، ثم اتضحت بعد ذلك السلبيات الجانبية الكثيرة لهذه المشاريع في إفساد البيئة وعدم صلاحيتها في مد الإنسان بالحياة الرغدة التي أرادها له الخالق سبحانه وتعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِين} [11] ،
ولكن الإنسان أخلَّ بهذا الوزن والتوازن في البيئة التي خلقها الله عليها.
إن تلويث الأرض بالفضلات المعدنية والكيماوية والإشعاعية المتزايدة باستمرار مع تراكمها صارت تؤثر في تركيب التربة الكيميائي ذات الخلق الموزون، وقد أثبتت الأبحاث في مجالات علم النبات أن بعض النباتات تختزن في خلاياها وأنسجتها كميات من المواد الكيماوية السامة التي تمتصها من التربة الملوثة وهذه تنتقل بدورها إلي الحيوان والإنسان وتتجمع في أجسامها مسببة سلسلة من الأغراض المرضية التي انتقلت إلي الإنسان عبر أكله للحوم الحيوان والطيور.
ولولا رحمة ربك لأصابت البشرية فزع كبير مما نحن فيه، فقد أودع في الإنسان جهاز المناعة لمقاومة هذه السموم الجارفة والزاحفة علي الإنسان من استهتار لبيئته، والعبث بمقدرات صحته وطعامه وشرابه، وهو لا يدري أنه يدمر نفسه وأجياله القادمة، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * ومَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُون} [12]
فجهل الإنسان وعدم التعامل مع البيئة من منطلق عقيدي، وتصور نفسه السيد الأوحد الذي لا يسأل عما يفعل فيما أنعم الله عليه بهذه الأرض جعله يتصرف معها بغطرسة، وعدم مراعاة للقيم الإيمانية في علاقته بهذه الأرض المستخلف عليها، يقول
(1) نهاية الرتبة في طلب الحسبة"للشيخ عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله العدوى الشيزري صـ 22 تحقيق / السيد البار العريني، طبعة دار الثقافة، بيروت."
(2) متفق عليه (صحيح البخاري 1/ 292 كتاب صفة الصلاة، باب ما جاء في الثوم النيئ والبصل والكراث، الحديث رقم:(817) ، وصحيح مسلم 1/ 394، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهى من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوها، الحديث رقم: (564) .
(3) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه 4/ 1766، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب استعمال المسك وأنه أطيب الطيب، وكراهة رد الريحان والطيب، الحديث رقم: (2253) .
(4) بلغة السالك 3/ 30 وجاء فيه:" (قوله بمنع دخان كحمام) أي بمنع أحداث ذي دخان تتضرر الجيران بسببه، وقوله (وبمنع رائحة) أي وقضي بمنع إحداث ذي رائحة كريهة"، التاج والإكليل 5/ 164.
(5) البيئة للفقي صـ 47: 51، الإسلام والبيئة د / بركات محمد مراد صـ 64: 67.
(6) نهاية الرتبة في طلب الحسبة"للشيخ عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله العدوى الشيزري صـ 33."
(7) نهاية الرتبة في طلب الحسبة"للشيخ عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله العدوى الشيزري صـ 34."
(8) الآية"39"من سورة فصلت.
(9) الآية"2"من سورة سبأ.
(10) الآية"3"من سورة فاطر.
(11) الآيتان"19، 20"من سورة الحجر.
(12) الآيتان"38، 39"من سورة الدخان.