بالطائف"إن صيد وج - هذا اسم الوادي - وعِضَاهَه حرام محرم لله"، والعضاه: كل شجر عظيم له شوك. [1]
وقال الإمام أبو يوسف في كتابه الخراج، حدثنا مالك بن أنس أنه بلغه عن النبي - أنه حرم عضاه المدينة وما حولها اثني عشر ميلًا، وحرم الصيد فيها وأربعة أميال حولها، قال أبو يوسف: وقد قاال بعض العلماء: إن تفسير هذا إنما هو لاستبقاء العضاه أي المحافظة على الشجر [2] .
وقد تغلغلت هذه المعاني في أفهام المسلمين أيما تغلغل، فالإمام أبي محمد بن حزم يقول في المحلي:"والإحسان إلى الحيوان بر وتقوي، فمن لم يعن على إصلاحه فقد أعان علي الإثم والعدوان، وعصى الله تعالى، بل يجبر على سقي النخل إن كان في ترك سقيه هلاك النخل، وكذلك في الزرع، برهان ذلك قول الله عز وجل: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [3] ."
قال أبو محمد: فمنع الحيوان مالا معاش له إلا به من علف أو رعي، وترك سقي شجر الثمر والزرع حتي يهلك، هو بنص كلام الله - تعالي - فساد في الأرض، وإهلاك للحرث والنسل، والله ـ تعالي ـ لا يحب هذا العمل. [4]
أما التدابير التعزيزية فتنقسم كذلك إلي قسمين اثنين: تنظيف البيئة من جهة، أو زيادة رصيدها من العناصر التي تحافظ علي سلامتها من جهة أخرى.
أما عن تنظيف البيئة فقد كان النبي - يحض على تنظيف البيئة، فيقول:"عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق" [5] ، ويقول:"إماطة الأذى عن الطريق صدقة" [6] ، ويقول:"نظفوا أفنيتكم" [7] .
أما عن زيادة رصيدها من العناصر التي تحافظ علي سلامتها: فقد حرص النبي - على تشجيع الزراعة بما يزيد الثروة النباتية، ويضيف إلي البيئة الصالحة، فقال:"إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فان استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها" [8] .
المطلب الثالث
نماذج من عناية الإسلام بسلامة البيئة
لقد اهتمت كتب الحسبة كلها بسلامة البيئة ونظافتها، وخصوصا كل ما يتعلق بالإنسان في غذائه وسقائه وطهارته، وذكرت في ذلك أمور في غاية الدقة، تدل على
(1) أخرجه أبو داود في سننه 2/ 215، كتاب المناسك، باب في مال الكعبة، الحديث رقم: (2032) ، وهو مما سكت عنه أبو داود، وقال المقدسى في الأحاديث المختارة 3/ 57:"إسناده حسن".
(2) الخراج لأبي يوسف صـ 66 طبعة المطبعة السلفية، القاهرة، مصر، الطبعة الخامسة 1396 هـ.
(3) الآية"205"من سورة البقرة. (4)
(4) المحلى لابن حزم 10/ 100 طبعة دار الآفاق الجديدة، المحلى بالآثار لابن حزم 9/ 265 الناشر دار الفكر.
(5) جزء من حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه 1/ 390 كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهى عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، الحديث رقم: (553) .
(6) جزء من حديث متفق عليه (صحيح البخاري 3/ 1090، كتاب الجهاد والسير، باب من أخذ بالركاب ونحوه، الحديث رقم:(2827) ، وصحيح مسلم 2/ 699، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، الحديث رقم: (1009 ) ) .
(7) أخرجه الإمام الترمذى في سننه 5/ 111، كتاب الأدب عن رسول الله - - - باب ما جاء في النظافة.
(8) سبق تخريجه