المبحث الثاني
في نظرة الإسلام إلى البيئة، واهتمامه بها"أفرادًا ومؤسسات"
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: نظرة الإسلام إلي البيئة.
المطلب الثاني: اهتمام الإسلام بالبيئة"أفرادًا ومؤسسات"
المطلب الأول
نظرة الإسلام إلى البيئة
إن نظرة الإسلام إلى البيئة نابعة من المعرفة بالله، والتصور الشامل للإنسان، والكون، والحياة، وإن أي خلل في التصور ينعكس فسادًا في السلوك، فالإسلام ينظر إلى الإنسان على أنه سيد الموقف، فهو سيد هذا الكون، وكل ما في الكون مخلوق من أجله مسخر له باعتباره الخليفة المؤتمن، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [1] ، وقال تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [2] .
إن موقع الإنسان في هذا الكون يحدد له الدور الذي ينبغي عليه القيام به لتحقيق المهمة التي نيطت به، فالإنسان خليفة مؤتمن، قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [3] ، فالخلافة عن الخالق في الخلق، تلزم الإنسان الخليفة بالمحافظة على الكون- المستخلَف فيه- حتى يؤدي الأمانة التي حملها فلا يظلم نفسه، فهو سيد هذا الكون، ولتحقيق هذه السيادة سخر له كل شيء حتى يتمكن من أداء الأمانة.
ولقد أبان القرآن الكريم هذه الحقيقة في آيات عديدة منها قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [4] ، وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [5] ، وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْأَنهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [6] ، وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمْ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [7] ، وقوله - تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [8] .
إن مجموع هذه الآيات تشير إلى أحقيَّة الإنسان فيما سخر له؛ للاستفادة منه، والتمتع به في حدود الأمانة التي حملها؛ لأن لكلمة"لكم"في الآيات السابقة دلالة
(1) الآية"30"من سورة البقرة.
(2) الآيتان"70، 71"من سورة"ص".
(3) الآية"72"من سورة الأحزاب.
(4) الآية"29"من سورة البقرة.
(5) الآية"20"من سورة لقمان.
(6) الآيتان"32، 33"من سورة إبراهيم.
(7) الآيتان"12، 13 من سورة الجاثية."
(8) الآية"15"من سورة الملك.