لم ترد ـ على حد علمنا ـ في القرآن الكريم كلمة"تلوث"بلفظها، ولكن بمفهومها اللغوي الذي عرضناه، وهو أن كتاب الله الحكيم قد عبَّر عن مضمون لفظة"التلوث"بلفظة"الفساد".
وقد وردت تلك اللفظة في العديد من الآيات الكريمة نكتفي بقوله تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [1] ، وقوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [2] . وتدبّر كلمة"فساد"يقود إلى القول باطمئنان أنها أوسع وفي الوقت ذاته، أدق من كلمة"تلوث"، فمعاجم اللغة توضح أن الفساد نقيض الصلاح، فسد تفسد ويفسد وفًسادًا و فسودًا، فهو فاسد، والمفسدة خلاف المصلحة، والاستفساد خلاف الاستصلاح. [3]
وعرف الراغب الأصفهاني الفساد بأنه:"خروج الشئ عن الاعتدال قليلًا كان الخروج عنه أو كثيرًا، ويضاده الصلاح، ويستعمل ذلك في النفس والبدن والأشياء الخارجة عن الاستقامة" [4] . وإذا كان معني"الفساد"على هذا النحو، والاضطراب والخلل الذي يدخل علي الشئ بفعل أو بإدخال شئ غريب أو أجنبي عنه على نحو يفسده، أي يضيره ويجعله غير صالح لأداء وظيفته التي خلق لها، فإن استخدام القرآن الكريم لتلك اللفظة يبدو أكثر دقة وإحكامًا، ودلالة على المقصود من لفظة"التلوث"، وإذا كان هذا هو مفهوم الفساد فإنه مفهوم يتسع لكل الأعمال الضارة بالبيئة، أو مصادر تهديدها، أو كل ما يؤدي إلي إحداث الخلل والاضطراب فيها، بحيث يعني الفساد تلويث البيئة، وكذلك استنزاف مواردها، والتبذير في استخدمها على نحو يهدد دوامها لصالح الأجيال المقبلة.
أما لفظة"التلوث"التي تستخدمها العلوم البشرية المعاصرة، فهي ذات معنى غير منضبط حيث إنها كما تدل على خلط الشئ بما ليس من جنسه ونوعه فيكدره، ويغير خواصه ويضره، فإنها تدل على غير ذلك وتعني أمورًا أخري بعيدة عن المعنى السابق، فقد جاء في لسان العرب لابن منظور، فضلًا عما أوردنا آنفا أن كلمة"تلوث"تعني التهذيب واللوث الشر، واللوث الجراحات والمطالبات، واللوثة من الجنون، واللوثة الحمق والاسترخاء، وناقة ذات لوثة أي قوة، أو ذات لحم وشحم واللوث بالفتح القوة [5] .
فسبحان من كل شئ عنده بمقدار حتي الحروف والألفاظ إنه بحق تنزيل من حكيم حميد، إن استخدام لفظة"الفساد"بالمفهوم السابق دون كلمة"تلوث"يقدم وجها آخر من وجوه الإعجاز اللغوي لكتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فضلًا عن إعجازه العلمي، فهو الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه فألفاظه وآياته تفسر في كل عصر، بما يلائم علومه وثقافته.
ومع ذلك فنحن في غفلة عن كلمات وألفاظ القرآن الكريم، ولازلنا نستخدم كلمة"التلوث"في الاصطلاحات العلمية على الرغم مما يكتنفها من مثالب!!.
ثالثًا: ـ حكم التلوث في الشريعة الإسلامية: ـ
(1) من الآية"251"من سورة البقرة.
(2) من الآية"205"من سورة البقرة.
(3) لسان العرب 3/ 335، المعجم الوسيط 2/ 688، العين 7/ 231.
(4) معجم ألفاظ القرآن للأصفهاني صـ 393 تحقيق / نديم مرعشلي، طبعة دار الكتاب العربي، بيروت.
(5) لسان العرب 2/ 187 مادة (لوث)