العنصر الثاني:
انتساب ذلك التغيير إلي الإنسان وأفعاله فقد عبرت عنه الآية الكريمة بقوله تعالى: (بما كسبت أيدي الناس) أي أن أعمال الإنسان هي المسئولة عن الفساد والتدمير والاضطراب الذي أصاب ثروات وموارد البيئية، وحرف الباء يفيد لزوم السبب والصلة بين ما اقترفته أيدي الإنسان وما لحق بما بث الله في الطبيعة من موارد ونعم.
ويؤكد الفقه الإسلامي على أن الكون ذاته، وهو البيئة العامة للإنسان وقد أوجده الله تعالي قبل خلق الإنسان ومجيئه إليه، فالإنسان وجد ووجد الكون وقد اكتملت عناصر استبقاء الحياة وبقاء النوع، فالإنسان قد طرأ علي الكون أو علي البيئة، بعد أن تكفل الله تعالي بتزويده بضرورات الحياة ومقوماتها، وهنا يظهر العنصر الثاني الذي ترشد إليه الآية الكريمة"فما كان موجودًا قبل وجود إنسان، لا يطرأ منه فساد أبدًا وإنما طرأ الفساد مما أوجده الإنسان ... لا نجد فيما لا دخل للإنسان فيه فسادًا أبدًا ... كل الفساد جاء من الذي تدخل فيه الإنسان، دخل فيه بغير منهج خالق الكون الذي أعد له كونًا لا يأتي منه فساد".
فكل فساد في الكون ليس من الكون الذي طرأ عليه الإنسان، ولكن من الأشياء التي جاء بها الإنسان بعد دخوله هذا الكون وعملها ليحقق خيرًا عاجلًا سطحيًا ولا يدري ماذا يأتي بعد ذلك من شر.
العنصر الثالث:
وهو إلحاق أو احتمال لحوق الضرر بالموارد البيئية بفسادها وتدهور حالتها وصيرورتها غير صالحة أو غير ميسره لما خلقت له وباتت مخلوقات الله من إنسان وحيوان وجماد في خطر ويتهددها التدهور والفناء فقد جاء في قوله تعالي (ليذيقهم بعض الذي عملوا) والمراد لحوق المعاناة وذوق الضرر والأذى الذي نتج وينتج عن عمل الإنسان بجعله يذوقه أو يتجرعه. فكأن الإنسان يتحمل نتائج إفساده في الأرض، وتلويثه لما خلق الله فيها، فيلحقه الضرر والعذاب، بمخالفته أمر الله وخروجه عن سننه في تعامله مع ما أنعم عليه.
تلك هي معجزة القرآن الكريم في شأن الإدراك المبكر لمشكلات البيئة، وهو إدراك وتبصر كسر حاجز الزمن، ونبه إلى العواقب الوخيمة للسلوك الإنساني غير القويم في التعامل مع موارد وخيرات ذلك الكون الذي خلقه الله وسخره لمخلوقاته، وعلى رأسها الإنسان [1] .
(1) البيئة للفقي صـ 31.