وهذا القول المروي عن مالك محمول على التحريم بلا شك، خاصة إذا كان متغيرًا بالنجاسة، فإن الإجماع منعقد علي نجاسة الماء المتغير بالنجاسة - كما سبق، وقد يفهم من هذا القول الإرشاد إلى الاحتياط بترك ذلك الماء، والوضوء من غيره؛ لعدم اليقين من تغيره بالنجاسة، ولوجود الاحتمال من تغير لونه بغيرها.
أما بقية ماء البحر الذي لم يتغير فلا يحكم بنجاسته، وإن كانت مياه البحر متصلًا بعضها ببعض؛ لأنه يلزم من ذلك أن يحكم بنجاسة جميع البحر، وهذا لا يمكن أن يقول به أحد. [1]
الحالة الثالثة: تلوث البحر بالطاهرات: ـ
يتلوث البحر ببعض المواد الطاهرة، كالمواد الكيميائية المتخلفة عن الصناعات، مثل بعض الأصباغ أو الأدوية، وبعض النفايات والمخلفات المنزلية، أو المواد النفطية أو غيرها من المواد التي ليست بنجسة العين، فإذا تلوثت المياه بهذه المواد الطاهرة فما الحكم؟
الجواب أن الحكم يختلف باختلاف قوة التلوث وغلبته على أجزاء الماء، وباختلاف الشئ الملوث أحيانًا، ولذلك عدة صور منها:
الصورة الأولى:
إذا تلوث البحر أو جزء منه بشيء طاهر، وغلب على أجزاء الماء حتى أفقده اسم الماء، فصار يسمى نفطًا مثلًا، فإنه لا تجوز الطهارة به في قول عامة الفقهاء. [2]
والدليل على ذلك: قول الله تعالى: {فلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} . [3]
وجه الدلالة من الآية:
أن الله ـ تعالى ـ نقلنا عند عدم الماء إلى التيمم بالتراب، ولما كان اسم الماء لا يقع على ما غلب عليه غير الماء، حتى تزول عنه جميع صفات الماء التي منها يؤخذ حده، صح أنه ليس بماء، ولا يجوز الوضوء به؛ لأنه لا يجوز الوضوء بغير الماء. [4]
الصورة الثانية:
أن يتلوث البحر بشيء طاهر، لا يمكن حفظ البحر منه، وذلك كالنباتات التي تنبت في البحر أو الطحالب، وكذلك ما تغير من ماء البحر بالسمك وغيره من دواب البحر، فقد اتفق الفقهاء على أن الماء في هذه الصورة طاهر مطهر، وأن ما حدث من التغير معفو عنه، وذلك لأن اسم الماء باقٍ فيه، واختلاط هذه الأشياء في المياه لا يمكن الاحتراز منه أو الانفكاك عنه، فعُفى عنه للحرج، ولأن هذا التغيّر من فعل الله ابتداءً فأشبه التغيّر الذي خلق الله عليه الماء. [5]
(1) المجموع للنووي 1/ 161، المغني 1/ 46، 47، شرح العمدة 1/ 70، البيان شرح المهذب للعمراني 1/ 26، 27.
(2) فتح القدير 1/ 77، بدائع الصنائع 1/ 15، الكافي في فقه أهل المدينة صـ 155، المنتقى 1/ 59، مواهب الجليل 1/ 60، المجموع 1/ 150، مغني المحتاج 1/ 117، المغني 1/ 20، شرح الزركشى 1/ 119، شرح العمدة 1/ 71، المحلى 1/ 203.
(3) من الآية"43"من سورة النساء،"6"من سورة المائدة.
(4) المحلى لابن حزم 1/ 203.
(5) فتح القدير 1/ 77، بدائع الصنائع 1/ 15، الذخيرة 1/ 169، 170، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 13/ 44، بداية المجتهد 1/ 23، المجموع 1/ 150، شرح الزركشي 1/ 120، المغني 1/ 23.