وجه الدلالة:
قد حكم النبي - بطهارة ماء البحر مع أنه لا يخلو من النجاسات كبول بني آدم، أو عذرتهم، فهو لا يتنجس بوقوع النجاسات؛ لكثرته وعدم تغيره، ولهذا فالحديث أصل في طهارة المياه الغالبة علي النجاسة المستهلكة لها. [1]
ومعني قول النبي:"هو الطهور ماؤه"أي المطهر؛ لأنهم سألوه عن تطهير مائه والوضوء به، لا عن طهارته، ولم يقل - - - في جوابه"نعم"مع حصول الغرض به؛ ليقرن الحكم بعلته، وهي الطهورية المتناهية في بابها. [2]
ب - وأما الإجماع:
فقد أجمع العلماء على أن الماء الكثير كالبحر لا يتنجس بشيء من النجاسات الواقعة فيه ما لم يتغير، قال ابن المنذر:"وأجمعوا على أن الماء الكثير من النيل والبحر، ونحو ذلك إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، أنه بحاله ويتطهر منه". [3]
وقال ابن رشد الحفيد:"واتفقوا على أن الماء الكثير المستبحر لا تضره النجاسة التي لم تغير أحد أوصافه، وأنه طاهر" [4] . وكذا حكى الإجماع ابن حزم وابن قدامة وابن تيمية وآخرون. [5]
الحالة الثانية: تلوث البحر بالنجاسات وغيرها من الملوثات:
إذا تغير ماء البحر بنجاسة وقعت فيه فهو نجس، كسائر المياه التي تتغير بالنجاسة، وهذا باتفاق العلماء، قال ابن رشد الجد:"ولو علم أنه تغير (يعني البحر) من المراحيض التي تصب فيه، لم يحل الوضوء منه، وكان نجسًا بإجماع" [6] ،
وقد ذكر الفقهاء أنه لا يمكن تصور تغير جميع البحر بالنجاسة. [7]
لكن يمكن أن يتغير جزء من البحر بالنجاسة الواقعة فيه، وذلك لكثرة النجاسات التي تصب فيه، ولعدم سرعة جريان أو تجدد مياه البحر خاصة في المناطق شبه المغلقة من البحار، فإن المياه أحيانًا تكون راكدة لا تتحرك، فتتغير بسبب ذلك المياه التي تقع فيها النجاسة، وربما كان التغير في جميع صفات الماء من اللون والطعم والرائحة وربما كان في بعضها وأيًا كان، فالماء المتغير بالنجاسة نجس بلا خلاف.
ومثل هذا ما يحصل في هذا العصر من تلوث للبحار بمخلفات الصرف الصحي النجسة، فإنها إذا كثرت في البحر والبحر راكد، غيرت المياه التي تصب فيها، وصيرتها مياهًا نجسة. [8]
وقد سئل الإمام مالك عن مسألة تلوث جزء من البحر بالنجاسة، فقيل له: إن خليج الإسكندرية تجري فيه السفن، فإذا جري النيل كان أبيض صافيًا، وإذا ذهب النيل ركد فتغير لونه ورائحته طيبة، والسفن تجري فيه علي حالها، والماء كثير فيه، والمراحيض تصب فيه الثياب، ويوضأ منه للصلاة؟ فقال: إذا كانت تصب فيه هذه المراحيض، وقد تغير لونه فما أحب ذلك. [9]
(1) الاستذكار لابن عبد البر 1/ 202، بذل المجهود 1/ 213.
(2) شرح الزرقاني على الموطأ 1/ 52، تحفة الأحوذي 1/ 225.
(3) الإجماع لابن المنذر صـ 4.
(4) بداية المجتهد 1/ 23.
(5) المبسوط 1/ 70، المنتقى 1/ 56، مراتب الإجماع صـ 17، المغني 1/ 56، مجموع الفتاوى 21/ 26.
(6) البيان والتحصيل لابن رشد 1/ 134
(7) البيان شرح المهذب للعمراني 1/ 26، 27.
(8) أحكام البيئة في الفقه الإسلامي صـ 86.
(9) البيان والتحصيل لابن رشد 1/ 134، مواهب الجليل 1/ 53، 54.