وتدل هذه الآية على أن كل نبات قد وزنت عناصره، وقدرت تقديرًا، وهو ما يبدو من تقدير العناصر الغذائية المختلفة في الحبوب والفواكه المتنوعة، وهذه من آيات الله في إقرار مبادئ التوازن في البيئة فهو {الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى} [1] .
وهاتان الآيتان تدلان دلالة واضحة على أن الخالق - سبحانه وتعالى - تفرّد بالخلق، وإحسانه ذلك وإتقانه، وتسويته وتقديره، ففي الآية الأولى أطلق الخلق؛ ليعم كل مخلوق، كما في قوله تعالى: {الذي أحسن كل شئ خلقه} [2] ، والتسوية في هذه الآية معناها: التقويم والتعديل، وقد خلق الله كل مخلوق مستوٍ على أحسن ما يتناسب لخلقته، وما خلق له، فلم يأتِ متفاوتًا، بل متناسبًا على إحكام وإتقان، دلالة على أنه صادر عن عالم حكيم، وذلك مما يستوجب حقًا له سبحانه أن يسبح اسمه في ذاته، وجميع صفاته، حيث جمع بين الخلق والتسوية، فله كمال القدرة، والتنزيه عن كل نقص. [3] ، وفي الآية الثانية أطلق التقدير؛ ليعم كل مقدور، وهو عائد على كل مخلوق؛ لأن من لوازم الخلق التقدير، وقد قال بعض المفسرين: إن العالم كله داخل تحت منطوق هذه الآية [4]
ولعله من عظمة التوازن، ودقة التقدير ما أظهرته العلوم الحديثة من أن حجم الأرض، وكتلتها، وموقعها من الشمس والقمر وانتظام دورتها حول نفسها، وحول الشمس، وتداول الليل والنهار، وتداول الفصول الأربعة، وتوازن الحرارة والبرودة فيها، وتوزيع الأقوات والأرزاق بها، كل ذلك موزون ومحسوب. [5]
والجدير بالذكر أن توازن البيئة علم ناشئ لا يتجاوز عمره ربع قرن، ظهر كنتيجة للتلوث الذي ظهرت آثاره المدمرة تدريجيًا في الحيوان والنبات والإنسان والأرض والغلاف الجوي منذ بدء العصر الصناعي في القرن التاسع عشر إلى أن بلغ ذروته في منتصف القرن العشرين، وعندها تداعت الجمعيات العلمية المعنية بشئون الأحياء والطبيعة إلى بيان الخطر، فسنت القوانين التي تحمي البيئة من خطر التلوث، إلا أن الإنسان أخطر مفسد وأكبر قاتل في الأرض لا يزال حتى الساعة يدمر الحرث والنسل كلما دعته قدرته على ذلك، فقلّما تنفع القوانين الوضعية عندما ينعدم الوازع الديني المتمثل في قوله تعالى ـ {والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان} [6] ، وقوله تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} [7] [8] .
كما أن الله تعالى أمر الإنسان بالاستفادة من الموارد البيئية المتاحة في بيئته على قدر حاجته ودون الاسراف والاستنزاف؛ لقوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} [9] ؛ ولضمان استمرار الحياة على سطح الأرض، فإن الله - تعالى - قد ضمن للإنسان استمرار حصوله على المصادر المائية بمختلف الطرق لقوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} [10] ، وقوله ـ تعالى ـ {وما يستوي البحران} [11] .
(1) الآيتان"2، 3"من سورة الأعلى.
(2) من الآية"7"من سورة السجدة.
(3) البحر المحيط 8/ 458، أضواء البيان 8/ 501.
(4) أضواء البيان 8/ 501، 502.
(5) قانون حماية البيئة الإسلامي مقارنًا بالقوانين الوضعية د/ أحمد عبد الكريم سلامة صـ 33 الطبعة الأولى 1416 هـ 1996 م مشار إليه في: واجب الحماية الدولية للبيئة الطبيعية د/ محمود السيد حسن داود صـ 81 هامش (1) طبعة رابطة الجامعات الإسلامية 2005 م.
(6) الآيتان"7، 8"من سورة الرحمن.
(7) من الآية"85"من سورة الأعراف.
(8) قضايا البيئة من منظور إسلامي د/ أحمد عبد الرحيم السايح، د/ أحمد عبده عوض صـ 59
(9) من الآية"31"من سورة الأعراف.
(10) من الآية"17"من سورة الرعد.
(11) الآية"12"من سورة فاطر.