المسألة الثانية
عالمية الإسلام، وعموم الرسالة المحمدية
من الثوابت التي دلت عليها النصوص القواطع ما يتعلق بعموم الرسالة، وهذا ما جاء في كتاب الله، حيث ذكر الله سبحانه أن كل رسول الله أرسل إلى قومه وحدهم، ما عدا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فنوح عليه السلام أرسل إلى قومه فقط، قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [1] ، وإبراهيم عليه السلام أرسل إلى قومه فقط، كما قال الله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ} [2] ، ولوط عليه السلام أرسل إلى قومه فقط، كما قال الله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ} [3] ، وهود عليه السلام أرسل إلى قومه فقط، كما قال الله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [4] إلى قوله تعالى: {أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [5] ، وصالح عليه السلام أرسل إلى قومه ثمود، كما قال الله تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا [6] ، وشعيب عليه السلام أرسل إلى أهل مدين، قال الله تعالى: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [7] ، وعيسى عليه السلام أرسل إلى بني إسرائيل، كما قال الله تعالى: {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} [8] ، أما محمد - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إلى جميع الناس، كما يقول الله تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [9] ، قال ابن كثير رحمه الله: (( وهذا من شرفه وعظمته أنه خاتم النبيين، وأنه مبعوث إلى الناس كافة ) ) [10] ، ثم قال: (( والآيات في هذا كثيرة، كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصر، وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه، صلوات الله وسلامه عليه، رسول الله إلى الناس كلهم ) ) [11] .
والله يشهد لرسوله بأنه مرسل إلى جميع الناس عربا وغير عرب، يقول تعالى في وصف القرآن: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [12] ، ويقول جل شأنه: {وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [13] . فسر ابن منظور كلمة: {ذِكْرٌ} في الآية بأنها تعني أن القرآن كتاب فيه تفصيل الدين، وكأنه يقول تبارك اسمه: ما القرآن إلا شريعة للعالمين، وكلمة: {لِلْعَالَمِينَ} جمع عالَم بفتح اللام، أي: أن القرآن شريعة للعالم كله بجميع أجناسه وشعوبه، وجَمَعَ لفظَ (عالم) ؛ للدلالة على الاستغراق [14] . ويخاطب الله رسوله - صلى الله عليه وسلم -
(1) نوح: 1.
(2) العنكبوت: 16.
(3) الشعراء: 160.
(4) هود: 50.
(5) هود: 60.
(6) الأعراف: 73.
(7) الأعراف: 85.
(8) الصف: 6.
(9) الأعراف: 158.
(10) انظر: تفسير ابن كثير 2/ 254.
(11) انظر: تفسير ابن كثير 2/ 255.
(12) يوسف: 104.
(13) القلم: 52.
(14) ابن منظور: لسان العرب، مادة (ذكر) .