المبحث الثالث
في ضوابط الحرية الدينية وآثارها
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى
ضوابط الحرية الدينية
لن أطيل كثيرًا في هذه الجزئية، لأن البحث من بدايته هو في تقرير هذه الضوابط، ولكني هنا أجملها، لإظهارها بصورة مرتبة، ولتكون خلاصة لهذا البحث، فقد تبين أن أهم ما يضبط هذه الحرية:
1 -تأطيرها بالأطر الشرعية، والالتزام بالقيود التي فرضها الشرع، لأننا مسلمون متعبدون بحكم الله، ولذلك فالحرية المعتبرة شرعًا هي ما دل الدليل عليه، وسبق في تعريف الحق بيان أركانه، ومصدره، وعلمنا أن مصدر الحق هو المشرع وهو الله عز وجل، ولا يفهم من هذا تضييق المفهوم، بل إذا صدر فهو صادر عن حكيم عليم بما يصلح العباد في العاجل والآجل، {الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ، وهذا كما هو حكم الله فالواقع يدل كما سبق على أنه لا يمكن فرض حرية مطلقة، وإذا كان كذلك فما ثبت من مصدر سماوي رباني لاشك أنه أكمل وأصلح للبشر في الحل والمآل.
2 -ومن آثار الالتزام بالشرع في فهم الحرية وتطبيق دلالات النصوص أن لايقوم الفهم على استهداف الثوابت، أو التنازل عن مبادئ شرعية، أو معارضة النصوص أو التعسف في تأويلها، فالحرية التي يظن البعض أنه لابد فيها من الاعتراف بصحة الديانات واعتبارها قائمة غير منسوخة، أو إلغاء بعض النصوص التي فيها حكم الله على غير المسلمين، أو إلغاء حكم الردة، أو غير ذلك من الصور التي يربطها البعض بمفهوم الحرية لايجوز التسليم بذلك ولا التنازل عنه، ومن المعلوم أن دين الإسلام دين الفطرة، ودين يوافق في أحكامه العقول السليمة السالمة من الشبه، لكنه يحتاج إلى رجال يتحملون المسؤولية في الالتزام به، ونشر رحمته وهدايته.
3 -أن يكون فهم الحرية قائمًا على أسس الدعوة إلى الله، واستعمال أساليب الحكمة والموعظة الحسنة، ففي الوقت الذي نرفض فيه التنازلات السابقة إلا أن هذا لا يعني التصلب في المواقف، والتشنج في الفهم، والتعسف في الوصول إلى الهدف، بل المسلم مأمور بأن يعرض الحق بالأسلوب الذي يحقق الاستجابة والاقتناع، مع مراعاة القواعد الشرعية، سيما قواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد، وتقديم درء المفاسد على جلب المصالح، المستندة إلى مثل قول الله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا} [1] ، فهنا نهى الله عن مسبة آلهة المشركين وهي مستحقة لذلك، لئلا نقع في مفسدة أعظم، وهذا ما طبقه النبي - صلى الله عليه وسلم - في بناء الكعبة، فقد ورد في حديث عائشة رضي الله عنها: «يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة» [2] ، ومن هنا فقد
(1) الأنعام:108.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، باب فضل مكة وبنيانها، برقم: (1509) ، ومسلم في باب نقض الكعبة وبنائها، برقم: (1333) .