المبحث الأول
في الأسس التي تبنى عليها هذه الحدود
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
عالمية الفطرة
إيراد هذا الأصل لبيان أن التدين ضرورة للبشر، ولا يوجد أحد لا يشعر بها، وإذا كان التدين ضرورة فطرية غريزية جبلية فإن هذا الجانب يمكن أن يعتبر من الأطر العامة للحرية، ففرض حريات تقوم على التحرر من الدين والخلق فوضى وليست حرية، وقد ذكر الله في كتابه أن الفطرة التي فطر البشر عليها هي الحنيفية السمحة، القائمة على إخلاص العبودية لله، قال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [1] ، فبين أن التوجه بالقلب والقصد والبدن إلى شرائع الدين هو الأمر الذي فطر الله الناس عليها، ووضع في عقولهم حسنها واستقباح غيرها، (( فإن جميع أحكام الشرع الظاهرة والباطنة قد وضع اللّه في قلوب الخلق كلهم الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق وهذا حقيقة الفطرة، ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته أفسدها ) ) [2] ، وهذا معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة» [3] .
يقول شيخ الإسلام رحمه الله [4] : (( ومثل الفطرة مع الحق: مثل ضوء العين مع الشمس وكل ذي عين لو ترك بغير حجاب لرأى الشمس ) )إلى أن قال: (( ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين للإسلام بالفعل، فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا ولكن سلامة القلب وقبوله وإرادته للحق - الذي هو الإسلام- بحيث لو ترك من غير مغير لما كان إلا مسلما، وهذه القوة العلمية العملية التي تقتضي بذاتها الإسلام ما لم يمنعها مانع: هي فطرة الله التي فطر الناس عليها ) ) [5] .
وهذا الأصل يفيد في معرفة ميزة الدين الإسلامي، لأنه الموافق للفطرة، الواجب على الناس كافة، ويفيد في فهم علاقتنا بغير المسلمين في هذا الجانب"الحرية الدينية"ففي الوقت الذي لا يعارض فيه على البقاء على دين، لأنه لا يمكن أن ينفك عنه، والموقف الشرعي ينهى عن الإكراه كما سيأتي، إلا أنه لا يمنع هذا من استعمال الأساليب والوسائل التي تحقق الاستجابة إلى الدين الصحيح، ومعالجة الانحراف الذي طرأ على الفطرة دون أن يكون هناك عنف أو تعسف في الوصول إلى هذا الهدف، ولا تنافي بين الأمرين، فالموقف الأول نابع من الحاجة التي تدعو إليها الفطرة بالتدين بدين حقًا كان أو باطلًا، والثاني لا يشكل خروجًا عن الحرية، لأنه مبني على الإقناع والحوار والطرق التي هي الحرية ذاتها.
(1) الروم:30.
(2) تيسير الكريم الرحمن/641.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، باب ما قيل في أولاد المشركين، برقم: (1319) ، ومسلم في صحيحه، باب: معنى قوله: كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، برقم: (2658) .
(4) مجموع الفتاوى 4/ 247.
(5) وانظر: أحكام أهل الذمة لابن القيم 2/ 947، فقد حكى أقولًا في معنى الفطرة في الحديث، وخلص إلى قريب من هذا الذي قاله شيخ الإسلام.