الأولى: {لَا ? ? ? ?} [1] (( وهذا نفي في معنى النهي، أي لا تكرهوا أحدا على الدين، نزلت هذه الآية في رجال من الصحابة كان لهم أولاد قد تهودوا وتنصروا قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام أسلم الآباء وأرادوا إكراه الأولاد على الدين، فنهاهم الله سبحانه عن ذلك، حتى يكونوا هم الذين يختارون الدخول في الإسلام، والصحيح أن الآية على عمومها في حق كل كافر ) ).
وقد ذكر المفسرون عند الآية أقوالًا في معناها ونسخها [2] ، أورد فيها القرطبي في تفسيره ستة أقوال [3] ، وهي أقوال ذكرها العلماء، ولكن القول بها قد لا يسلم، على اعتبار أن ادعاء النسخ أو التخصيص خلاف الأصل، ويحتج إلى العلم بالتأريخ، ووجود المعارضة حتى يحكم بذلك، وقد ذكر سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله المراحل التي مر بها الجهاد، وذكر أن هذه الآية في الطور الثاني، وهو الأمر بقتال من قاتل المسلمين، والكف عمن كف عنهم [4] ، ثم قال [5] : (( وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الطور الثاني وهو القتال لمن قاتل المسلمين، والكف عمن كف عنهم قد نسخ، ... وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن الطور الثاني لم ينسخ، بل هو باقٍ يعمل به عند الحاجة إليه، وهذا القول أصح وأولى من القول بالنسخ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [6] ) .
وقال سماحة شيخنا الشيخ محمد العثيمين رحمه الله في فوائد آية البقرة [7] (( من فوائد الآية: أنه لا يكره أحد على الدين، لوضوح الرشد من الغي، لقوله: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} هذا على القول بأنها خبرية، أما على القول بأنها إنشائية فإنه يستفاد منها أنه لا يجوز أن يكره أحد على الدين، وبينت السنة كيف تعامل الكفار ) )،
وبعد فهذه نصوص ظاهرة في أن الحرية مضمونة لغير المسلم، لا يكرهه أحد، وإيجاب الجزية ليس تقييدًا لها، وإنما للشرع هدف من ذلك بإزالة العوائق التي تمنع انتشار الإسلام، ومنها شوكة الأعداء، وفي بذلها كسر لهذه الشوكة، ومنها أن يتمتع غير المسلم بالحرية في ظل حكم المسلمين ليرى هذا الدين واقعًا متجسدًا من خلال تعامل المسلمين، فيكون في ذلك دعوة إلى الدين من خلال الممارسة، ولغير ذلك من الحكم الظاهرة.
الفرع الثاني
الحرية من خلال نصوص السنة القولية والعملية
دلالة السنة على هذا الشأن المهم كدلالة القرآن، وفيها من النصوص التي تظهر سماحة الإسلام، وتسامحه مع المخالفين، بل حتى عندما تحصل الفتوحات الإسلامية في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهي غزوات قاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا منها، كان يظهر منه من الرحمة والتعامل بالتي هي أحسن ما هو جزء من المعاني والأخلاق التي جبله الله عليها، وكما ذكرت في مسألة دلالة القرآن يمكن تقسيم دلالة السنة على إثبات الحرية بضوابطها إلى أقسام:
(1) كتاب هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى/12.
(2) انظر مثلًا: تفسير ابن كثير 1/ 683، والدر المنثور للسيوطي 2/ 20.
(3) انظر: تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن 3/ 280، وما بعدها.
(4) انظر: مجموع فتاوى ومقالات العلامة ابن باز رحمه الله 2/ 438.
(5) المرجع السابق 2/ 440.
(6) انظر: مجموع الفتاوى 35/ 225.
(7) تفسير القرآن، سورة البقرة للشيخ محمد العثيمين 3/ 267.