وقد ذكر أهل السير وغيرهم عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى الشام، وشرط عليهم فيه أن لا يحدثوا في مدينتهم ولا حولها ديرًا ولا كنيسة، ولا قلاية ولاصومعة راهب، ولايمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه.
فهذه شواهد ناصعة، وأدلة دامغة، وحجج قوية، وبراهين أكيدة، وردود علمية عملية من السيرة النبوية، وتأريخ الصدر الأول على توافر الحرية الدينية بصورتها المنضبطة، وكفى بذلك شاهدًا وردًا.
المسألة الثانية
تحديد الحرية التي منحها الشرع (حرية التفكير أم الاعتقاد)
هذه المسألة من المسائل المهمة، وهي من باب الضوابط، لكن إيرادها بشكل مستقل لبنائها على أصل ذكره علماء الأصول في مواضع، وهل الحق واحد أم متعدد، وقد خاض في هذه المسألة علماء الأصول، وجمهور الأصول على أن الحق عند الله واحد لا يتعدد، وأن موافقته تكون من أحد المجتهدين، ولكن فيما يتعلق بالاجتهاد الكل مصيب في اجتهاده، لأن لكل منهم أن يجتهد [1] ، يقول ابن السمعاني [2] : (( ولقد تدبرت أكثر من يقول بإصابة المجتهدين هم المتكلمون الذين ليس لهم في الفقه ومعرفة الشريعة كثير حظ، ولم يقفوا على شرف هذا العلم وعلى منصبه في الدين ومرتبته في مسالك الكتاب والسنة ) ).
وقال الشوكاني رحمه الله [3] : (( وما أشنع ما قاله هؤلاء الجاعلون لحكم الله متعددًا بتعدد المجتهدين، تابعًا لما يصدر عنهم من الاجتهادات فإن هذه المقالة مع كونها مخالفة للأدب مع الله عز وجل ومع شريعته المطهرة هي أيضًا صادرة عن محض الرأي الذي لم يشهد له دليل، ولاعضدته شبهة تقبلها الأمة، وهي أيضًا مخالفة لإجماع الأمة سلفها وخلفها، فإن الصحابة ومن بعدهم في كل عصر من العصور ما زالوا يُخَطِّئُونَ من خالف في اجتهاده ما هو أنهض مما تمسك به ) ).
ولكن نبه بعض العلماء على أن الخلاف في المسائل الاجتهادية في شريعة الإسلام، وأن ما يتعلق بخلاف الملل والديانات غير داخل، واشتد قولهم في هذه المسألة حتى كفر بعضهم من قال بذلك، يقول الشوكاني رحمه الله [4] : (( وأما ما اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل كاليهود والنصارى والمجوس فهذا مما يقطع فيه بقول أهل الإسلام ) ).
وإذا ظهر أن الحق واحد فهنا يلزم أن يقبله الإنسان ويدين لله به، ليحقق الغاية التي خلقه الله من أجلها، وإلا كان مخلًا بهذا الأصل الأصيل، وهذا يفيد في أن الحرية التي نتحدث عنها لا تعني صحة الخيارات التي يختارها العبد، فالحرية هي في الوسيلة الموصلة إلى الحق وفي النتيجة في حكم الدنيا، أما حكم الآخرة فإن النصوص دلت على أن الحق واحد وهو الإسلام، وأن الثواب عند الله والجزاء وفي مقابلة العقاب يكون بناء على الاستقامة أو الانحراف عن الحق وسلوك سبيل الباطل.
فصار بناء على هذا التصور هناك فرق بين الأحكام الدنيوية في التعامل مع غير المسلمين، وأحكام الآخرة، ففي الدنيا لا يجبر أحد على اعتناق الإسلام، ولا يؤاخذ، بل
(1) انظر في هذه المسألة: قواطع الأدلة للسمعاني 3/ 402، وأصول البزدوي/278، والمستصفى للغزالي 1/ 359، ومجموع فتاوى ابن باز رحمه الله 1/ 344.
(2) قواطع الأدلة 3/ 402.
(3) إرشاد الفحول/262.
(4) المرجع السابق/259.