رقابة بينه وبين خالقه، فالعلاقة مباشرة بين الإنسان وربه من غير واسطة أو تدخل من أحد )) [1] .
القسم الثالث: الأدلة العملية من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين وسلف الأمة، سواء في صورة الجهاد أم في الأحوال العادية التي يعيش فيها غير المسلمين في ظل معاهدات أو مواثيق، يقول ابن القيم رحمه الله [2] : (( ومن تأمل سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - تبين له أنه لم يكره أحدا على دينه قط، وأنه إنما قاتل من قاتله، وأما من هادنه فلم يقاتله ما دام مقيما على هدنته لم ينقض عهده، بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له كما قال تعالى: {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ(98) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ} [3] ، ولما قدم المدينة صالح اليهود وأقرهم على دينهم، فلما حاربوه ونقضوا عهده وبدؤوه بالقتال قاتلهم، فمَنَّ على بعضهم، وأجلى بعضهم، وقتل بعضهم، وكذلك لما هادن قريشًا عشر سنين لم يبدأهم بقتال حتى بدؤوا هم بقتاله ونقضوا عهده، فعند ذلك غزاهم في ديارهم، وكانوا هم يغزونه قبل ذلك كما قصدوه يوم أحد ويوم الخندق، ويوم بدر أيضًا هم جاؤوا لقتاله، ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم، والمقصود أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكره أحدا على الدخول في دينه البتة، وإنما دخل الناس في دينه اختيارا وطوعا، فأكثر أهل الأرض دخلوا في دعوته لما تبين لهم الهدى وأنه رسول الله حقا، فهؤلاء أهل اليمن كانوا على دين اليهودية أو أكثرهم كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا ا لله» وذكر الحديث [4] ، ثم دخلوا في الاسلام من غير رغبة ولا رهبة، وكذلك من أسلم من يهود المدينة وهم جماعة كثيرون غير عبد الله بن سلام مذكورون في كتب السير والمغازي لم يسلموا رغبة في الدنيا ولا رهبة من السيف بل اسلموا في حال حاجة المسلمين وكثرة أعدائهم ومحاربة أهل الأرض لهم من غير سوط ولا نوط، ... )).
وهذا تقرير رائع عن هدي مثالي عملي، طبقه رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - في تعامله مع من عاش معه من الذميين، بل إنه قد جاء في الكتاب الذي كتبه النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول قدومه المدينة ليرسم به منهجًا ودستورًا في التعامل «هذا كتاب من محمد النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم .. وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم ... وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته» [5] .
وصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بعده ساروا على هذا المنهج الذي سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتعاملوا مع غير المسلمين من هذا المنطلق، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوصي بعض قواده بما يفيد الحرية التي منحها المسلمون لغيرهم منذ الصدر الأول جاء فيها: (( وستجدون أقوامًا حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له ) ) [6] ، ومن وصايا الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أوصي بأهل الذمة خيرًا أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم )) [7] .
(1) انظر: تلبيس مردود في قضايا حية، لمعالي الشيخ: د. صالح بن عبد الله بن حميد/29 - 30.
(2) هداية الحيارى/12 - 13.
(3) التوبة:7.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا، برقم: (1425) .
(5) سيرة ابن هشام 2/ 503، والبداية والنهاية لابن كثير 4/ 556 - 557، والسيرة النبوية لابن كثير 2/ 322.
(6) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 9/ 85.
(7) أخرجه البخاري في صحيحه، في باب ما جاء في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، برقم: (1328) .