فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 44

القسم الأول: ما ورد في الجهاد وأهدافه وأخلاقياته، وتعامل الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع غير المسلمين وهديه في ذلك، ففي شأن الهدف يربي الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على أن يكون هدفهم مجردًا عن الأغراض الشخصية، والمواقف العدائية ليكون في سبيل الله، وطلبًا لمرضاته، ورفعًا لدينه، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: جاء رجل يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا ويقاتل حمية فرفع إليه رأسه فقال: «من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل» [1] ، فجعل الغاية إعلاء كلمة الله التي تحصل بإسلام الكفار، وببذل الجزية، وبالمعاهدات التي سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأن بذلك تتحقق المعاملة التي تجسد روح الإسلام ودعوته العملية، وهذا يحقق إعلاء هذا الدين، ولم يجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغاية إسلام الكفار، أو قسرهم على ذلك، وكذلك ما ورد في حديث بريدة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم» [2] .

وأما أخلاقيات الجهاد عند المسلمين فكما صرح الأعداء بذلك، وأنهم ما وجدوا فاتحًا أرحم من المسلمين، فالمسلمون ينطلقون من هدفٍ سامٍ، وغاية عليا، واستعمالهم للجهاد كآخر الخيارات التي تتعذر معها الخيارات السلمية كما أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك في قوله: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ثم قال اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم» [3] .

القسم الثاني: الأدلة التي دلت على أن مهمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البلاغ وليس مسؤولًا عن هداية الخلق واعتناقهم الدين، في مثل قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} [4] ، وقوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [5] ، بل إن الله سبحانه سلَّى رسول - صلى الله عليه وسلم - لما لم يستطع هداية أقرب الناس إليه، عمه أبو طالب، فقد أنزل الله في موقفه منه عند وفاته قوله سبحانه: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [6] .

وهكذا (( وظيفة الرسل والدعاة من بعدهم مقصورة على البلاغ والإرشاد والمناصحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما الاهتداء والإيمان فليس إلى الرسل ولا إلى الدعاة، وهذا يؤكد جانبًا من جوانب الحرية، ألا وهو تحرر الإنسان من كل

(1) أخرجه البخاري في صحيحه، باب من سأل وهو قائم عالما جالسا، برقم: (123) .

(2) أخرجه مسلم في صحيحه برقم: (3261) .

(3) أخرجه البخاري في صحيحه، باب لا تمنوا لقاء العدو برقم: (2861) ، ومسلم في صحيحه، باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء، برقم: (1741) .

(4) الغاشية: 21 - 22.

(5) الكهف:6.

(6) القصص:56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت