فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 44

الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية [1] : (( وقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [2] عام في كل زمان، ولكن الشرائع تتنوع، كما قال الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [3] فدين الإسلام هو ما شرعه الله سبحانه لعباده على ألسنة رسله، وأصل هذا الدين وفروعه روايته عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، ... فقد دل الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام، وسهولة تعلمه ) ).

والحرية تظهر في هذا الأصل من خلال المعرفة اليقينية أنها متى تعارضت مع هذا الثابت فليست معتبرة، كما أن ظهور دين الإسلام، وهيمنته الثابتة بالنصوص الصريحة لا تعني قسر الناس على الدخول فيه، ولكن يجب أن تزال العوائق التي تصد عنه، وهذا معنى قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يبين غاية الجهاد: «من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل» [4] ، لأن قيام العوائق دون نشر هذا الدين وإعلاء كلمة الله تعد منعًا من الحريات التي يجب أن تمنح حتى يصل البشر إلى هداية هذا الدين ورحمته.

المسألة الرابعة

الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم السلام والدعوة

هذه المسألة -في نظري- من أبرز المسائل التي لا بد من إبداء الرأي فيها، لأن الاتهام الذي أشرت إليه في صدر البحث نابع من رؤية مبنية على اجتهاد، كانت نتيجته تغليب النظرة العدائية، وجعل العلاقة المبنية على الحرب والسيف هي الأصل، وكما هي العادة في ردود الأفعال، قابل هذا الاجتهاد اجتهاد آخر ربما لا تسعف فيه الأدلة، أدى إلى إلغاء كثير من النصوص، والقول بنسخها أو تأويلها، والتوسط هو الذي أشرت إليه في عنونة المسألة، ويظهر أثر هذه المسألة على موضوع الحرية الدينية عندما ندرك أن من اعتبر الحرب هي الأساس، فإن هذا التحديد يكون سببًا للنفرة من هذا الدين، ووصفه بالقسوة وإغراء الآخرين بعداوة الإسلام، ومن ثم لا يتصور كثير منهم حرية في ظل هذه الأجواء، إلا أنه من النصف والعدل أن يقال إن القائلين بذلك لا يمنعون بقاء الكافر على دينه إذا رضي بالصغار وبذل الجزية، ولا يمنعون من المعاهدات إذا أصبحت صورة ضرورة، أما القائلون بالطرف الآخر بأن إقامة الحرب طارئة على خلاف الأصل، ومن ثم قالوا بأنه ليس هناك جهاد طلب قادهم هذا إلى تخبط في بعض المواقف، وتمييع لبعض الثوابت، ولعلي هنا أورد الخلاف بصورة موجزة لأصل إلى النتيجة التي ذكرتها.

القول الأول: من يرى أن الأصل في العلاقة السلم، والحرب والجهاد أمر عارض، وطارئ على هذا الأصل، يصار إليه حينما يحصل موجبه من الاعتداء والصد عن سبيل الله، واستهداف أوطان المسلمين، وهذا القول قول كثير من المعاصرين، بل يتفق أكثر من كتب في العلاقات الدولية على هذا القول [5] .

(1) ص 518.

(2) آل عمران:85.

(3) المائدة:48.

(4) أخرجه البخاري في صحيحه، باب من سأل وهو قائم عالما جالسا، برقم: (123) .

(5) انظر مثلًا: الزحيلي في العلاقات الدولية /94، ود. عبد الخالق النواوي في العلاقات الدولية والنظم القضائية /84، والعلاقات الدولية في الإسلام -مقدمة المشروع - 1/ 145 لمجموعة من الباحثين، ومحمد رشيد رضا في تفسير المنار 5/ 265.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت