وممن يرى هذا القول سفيان الثوري وابن شبرمة فيقولان [1] : «القتال مع المشركين ليس بفرض إلا أن تكون البداية منهم فحينئذٍ يجب قتالهم دفعًا، لظاهر قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [2] » [3] .
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة كثير نورد منها:
1 -الآيات التي تذكر اعتداء الكفار وظلمهم، وأنه الدافع لقتالهم، ومنها قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [4] ، وقال: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [5] ، وقوله: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ ? ? ? ? ? ? ? ?} [6] ، وقال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [7] وقوله: {? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? الْمُعْتَدِينَ} [8] ، لأنه عز وجل أباح الكف عمَّن كف، فلم يُقاتل من مشركي أهل الأوثان والكافِّين عن قتال المسلمين من كفار أهل الكتاب على إعطاء الجزية صَغارا.
فمعنى قوله: {? ? ?} : لا تقتلوا وليدًا ولا امرأةً، ولا من أعطاكم الجزية من أهل الكتابَين والمجوس، وختم الآية بـ: {? ? ? ? الْمُعْتَدِينَ} الذين يجاوزون حدوده، فدل على أن الأصل في العلاقة مع الكفار السلم إلا إن ابتدؤونا بالقتال،، والبداءة إما بصورة الإعداد والتجهيز، أو بصورة التهديد، أو بغير ذلك من الصور.
2 -قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [9] ، فدعا الله ? إلى الدخول في السلم كافة بجميع أنواعه، ومن ذلك ما يتعلق بالمعاهدات مع غير المسلمين، ومن حصرها بالإسلام فليس في الآية ما يدل على ذلك.
3 -قوله تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} [10] ، فأمر الله المسلمين بالامتناع عن قتال من لم يقاتلهم، ومن يلقي السلام إليهم من غيرهم [11] .
4 -وقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} [12] ، فدلت الآية على عدم جواز مقاتلة من يلقي السلام بدعوى أنه غير مؤمن [13] .
(1) انظر: شرح السير الكبير 1/ 187.
(2) التوبة: 36.
(3) انظر: العلاقات الدولية في الفقه الإسلامي /267.
(4) الحج: 39.
(5) الممتحنة: 9.
(6) التوبة: 13.
(7) التوبة: 29.
(8) البقرة: 190.
(9) البقرة: 208.
(10) النساء: 90.
(11) انظر: العلاقات الدولية في الإسلام - مقدمة المشروع - /145.
(12) النساء: 94.
(13) انظر: العلاقات الدولية في الإسلام - مقدمة المشروع - /145.