فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 44

يكون من المصلحة استعمال بعض المصطلحات التي تؤدي إلى تقريب وجهات النظر، وكسر الحاجز النفسي الذي قد يقوم حائلًا دون القناعة، ولعل من الأمثلة القريبة على هذا مصطلح"الآخر"، ولست بصدد تقرير الحكم فيه، لكني أرى أن استعماله من باب اللطف والتشويق إلى الإسلام وإظهار محاسنه لا يمنع منه مانع، وهاهم صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما هاجروا إلى الحبشة في الهجرة المعروفة، وأرسلت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدايا للنجاشي ليطرد من هاجر، فكان المتكلم في المهاجرين جعفر بن أبي طالب، وخاطب النجاشي بما يقربه من الإسلام مما يتعلق بدين النصرانية حينما قال: (( إن الله بعث فينا رسولًا، وهو الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم عليه السلام ) )، وقرأ عليه من سورة مريم ما يتعلق بعيسى وأمه عليه السلام [1] .

4 -الانطلاق في فهم الحرية من تصورات شرعية، وفهم ثابت، ورؤية متزنة، تعتمد الدليل، وتنظر بوسطية واعتدال، مع اعتبار الواقع القائم، وفهم تعقيداته، وتحليل أحداثه، والإفادة مما قدمه غير المسلمين في هذا الجانب، للنظر فيه، ومقارنته بما يجده المسلم في أحكام الدين، لتكون مواطن الاتفاق منطلقًا لفهم غيرها، وهذه صورة يقابلها طرفان مذمومان، كما هو الشأن في كل قضية منظورة يكثر الطرح فيها والجدل.

هذه أهم الضوابط التي تحدد مفهوم الحرية، وقد حاولت جاهدًا من خلال هذا الطرح أن أفصل القول في الجزئيات التي تخدم البحث، منطلقًا من هذه الضوابط، فأثمر ذلك ما سطرته في ثنايا هذا البحث، مع العلم أن ثمت قضايا اجتهادية، ورأيي فيها ما تبين لي بالدليل، وهو قابل للنظر والتأمل، ومن خلال هذه المشاركة تتكامل الرؤية، ويسدد الرأي بتلاقح الأفكار، وتبادل وجهات النظر، مما هو مؤمل بإذن الله.

المسألة الثانية

آثار فهم الحرية الدينية بالفهم الوسطي الذي ينبع من استقصاء وتتبع

الالتزام بالتصور الإسلامي للحرية الدينية، سواءً في الفهم أو التطبيق في التعامل مع غير المسلمين يثمر ثمرات جليلة، عاشها المسلمون في صدر الإسلام، ورأوها متجسدة في أرض الواقع وكانت وسيلة للتعايش مع غير المسلمين، ودعوتهم بلسان الحال أو المقال، أهمها:

1 -احترام الأديان الأخرى، وشعائر الأديان، مما يحقق احترامًا متبادلًا، وحفاظًا على المقدسات، ونشرًا للسلام في أرجاء العالم مؤسسًا على القيم المشتركة، مبنيًا على قواعد متينة، وتجنب الامتهان الذي يثير مشاعر العداوة.

2 -التحرر من أنواع القيود والعبوديات التي تلازم المرء حينما ينطلق من منطلقات معينة، أو يبني تصوره على خلفيات يكون أسيرًا لها، وهذا يؤدي إلى بناء المجتمعات على هذه الحرية المنشودة التي تؤدي حتمًا إلى اعتناق الدين الصحيح.

3 -إظهار سماحة الإسلام، وميزاته وخصائصه الأخرى، ومثاليته في كل أمر ومنها هذا المطلب الذي ينادى به على أنه من حقوق الإنسان.

4 -رعاية الإسلام لحقوق الإنسان بصورة أكيدة شاملة لكل ما هو تكريم له، محققة التوازن والعدل في تميز رائع لا يستعصي على التطبيق.

5 -دفع الشبه التي تكال للدين الإسلامي، سواءً ما كان منها صادرًا عن جهل أو تقليد أو حسن نية، أو ما كان بهدف التشويه وتنفير الناس من هذا الدين.

(1) انظر: البداية والنهاية لابن كثير 4/ 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت