الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد:
فإن من دواعي البهجة والسرور، والاغتباط والحبور أن يكون لي شرف المساهمة في هذا المجمع الدولي الذي يضم نخبة من علماء العالم الإسلامي وفقهائه ومفكريه، تحت مظلة منظمة المؤتمر الإسلامي، في دورته التاسعة عشرة، وفي ضيافة بلد شقيق، ووطن كريم، وحكومة مباركة، لا تألوا جهدًا في دعم القضايا الإسلامية عامة، وقضايا الفقه والعلم بخاصة، مشاركة منها كدولة عربية إسلامية في تحقيق ما يصبو إليه المجمع الدولي، ومن سعى في إنشائه ودعم مسيرته حتى يواصلها بخطى ثابتة فاعلة مؤثرة بإذن الله سبحانه وتعالى.
وقد اخترت أن تكون مشاركتي في هذه الدورة من دورات مجمع الفقه الإسلامي الدولي عن موضوع من الموضوعات الهامة، بل شديدة الأهمية سيما في الوقت الحاضر، يرتبط بجوانب عقدية وفقهية وأصولية، ويعالج قضية بل قضايا ساخنة على الإطار المحلي والإقليمي والدولي، وله ارتباط وثيق بصورة العلاقات الدولية والأسس التي تبنى عليها، إنه موضوع ترمى بالتقصير فيه بعض الدول الإسلامية، وتنتقد في مجالاتها التشريعية والقضائية والتنفيذية وعلى رأس هذه الدول المملكة العربية السعودية، إنه موضوع:
الحريات الدينية أبعادها وموقف الشرع منها
وضوابط هذه الحريات، وما أحراه بالتحري والبحث، وما أجدره بالطرح، حتى نستبين المنهج الوسط، ونظهر الموقف الشرعي في هذه القضية الهامة، ومن هنا فإنه يجب أن يكون النظر في زوايا المسألة وجوانبها من رؤية شمولية عميقة، تجعل من فهم مقاصد الإسلام ومبادئه وقواعده وأحكامه أساسًا لهذا الطرح العلمي حتى ينهج المنهج الوسط، وينأى عن الغلو والشطط، ويحقق الهدف بأقصر عبارة وأوفاها، وهذا ما أسعى إليه جاهدًا بإذن الله تعالى.
مشكلة البحث تكمن في التعارض الذي يعن في أذهان البعض حول ما منحه الإسلام من حرية المعتقد لغير المسلمين، وعدم إجبار الناس في الدخول في هذا الدين وبين ما شرعه من حدود وأحكام حفاظًا على كليات الدين، ومنها حد الردة، ومعرفة مدى الاشتراك في قيمة الحرية كأساس تبنى عليه العلاقات الدولية باعتبار أن هذا المبدأ ورد ضمن القوانين الدولية وضوابط هذه الحرية، كما أن مشكلة البحث تمتد لتشمل معالجة التعددية الدينية والمذهبية وموقف الشرع منها.
1 -أهمية هذا الموضوع، وخطورته وحساسيته، وكثرة طرقه في مجالات مختلفة، وعبر الوسائل المتعددة، وتباين وجهات النظر فيه، وتأثيره في الأوساط المختلفة، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من أهميته في استهلال البحث.
2 -بيان وجهة النظر الشرعية التي تعتمد التأصيل، وتنطلق من خلال المقاصد العامة بنظرة متوازنة تعتمد فهم طبيعة العلاقات الدولية التي أصبحت أكثر تداخلًا وتعقيدًا من ذي قبل، واعتبار التحديات الآنية والمستقبلية التي تكتنف هذه المرحلة التي تعيشها مجموعة الدول.