فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 44

قائلا: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [1] ، فهو رحمة مهداة إلى الخلق، وبقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [2] . فالله لم يرسل محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لقريش وحدها ولا للعرب وحدهم، بل أرسله للناس كافة في مشارق الأرض ومغاربها، ليبلغهم رسالته للعالمين.

وأما الأحاديث النبوية الشريفة، فكما قال ابن كثير رحمه الله أكثر من أن تحصر، وإن ذلك معلوم من الدين بالضرورة، فقد روى عن أبي هريرة رضي الله عه أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «فضلت على الأنبياء بست» ، منها قوله: «وأرسلت إلى الخلق كافة» [3] .

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود» [4] . والعرب تسمي الأبيض أحمر، أي: أنه بعث إلى البشر جميعًا. وهذا أصل عظيم، وأس ثابت لا يجوز القول بخلافه.

المسألة الثالثة

استيعاب هذا الدين للشرائع كلها، وتضمنه لما فيها

إن الرسالات التي سبقت الإسلام كانت غير شاملة بالنسبة للدعوة نفسها، فلم تكن الدعوة كاملة التفاصيل، وإنما حوت ما يستطيع العقل آنذاك هضمه وفهمه، وكانت كذلك غير شاملة للبشرية، فقد كانت الرسالة محددة لقوم معينين، وجاءت رسالة الإسلام، وهي خاتمة الرسالات، فيها من العناصر ما يجعلها تناسب كل زمان ومكان، ومن أهم هذه العناصر: شمولها لأحكام واسعة في المجالات المختلفة، كنظام الميراث والزواج والطلاق والسياسة والاقتصاد وغيرها، فما من كمال وحسن وصلاح إلا وتضمنته الشريعة الإسلامية بصورة أوفى وأدعى ليتم بذلك سر الاصطفاء والاختيار، وما من قبح ونقصص إلا والشريعة الإسلامية منزهة عنه، ولذا أنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [5] ، وقال في شأن القرآن: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [6] ، ثم كان من عناصر هذه الرسالة أيضا أن تعترف بالرسالات السماوية السابقة، وأوجبت الإيمان بها على وجه الإجمال، وبما جاء به هؤلاء الرسل من كتب، ونجد ذلك جليًا في أمر الله تعالى للمسلمين في قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [7] ، لكن هذا الاعتراف لا يعني أنها باقية لم تنسخ، لأن الله بين في آيات أخرى أن الإسلام مهيمن على الديانات السابقة، قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [8] .

(1) الأنبياء: 107.

(2) سبأ: 28.

(3) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، برقم: (523) .

(4) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1/ 250.

(5) المائدة:3.

(6) المائدة:48.

(7) البقرة: 136.

(8) المائدة: 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت