وقد قيل في حكمة عموم رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - وخصوص الرسالات السابقة أن الاتصال بين الأمم السابقة غير موجود أو متاح، وكانت كل أمة تعيش في عزلة عن الأمم الأخرى، لعدم وجود المواصلات والروابط غالبا، ولاختلاف العادات وطرق الحياة، ثم لتعدد اللغات وقلة الذين عنوا بتعليم غير لغتهم، ومن ثم أرسل الله لكل أمة رسولًا، وما كان رسول واحد يستطيع أن يوفي بالغرض من الرسالات.
وهذه العزلة سببت اختلافًا في درجة الثقافة، فأصبح ما يلائم جماعة لا يلائم غيرها، ولهذين السببين - والله أعلم - أرسل الله لكل أمة رسولا يعلمهم المبدأ الديني العام، وهو التوحيد، ثم يعالج أمراضهم المتفشية فيهم.
أما رسالة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد كان من الطبيعي أن تكون عامة؛ فقد انتفى السببان السابقان، فلم يعد العالم مجزأ إلى أقاليم بل امتدت المواصلات وكثر تعلم اللغات.
فالمجتمع الإسلامي إذن مجتمع عالمي، بمعنى أنه مجتمع غير عنصري ولا قومي، ولا هو قائم على الحدود الجغرافية، فهو مجتمع مفتوح لجميع بني الإنسان، دون النظر إلى جنس أو لون أو لغة، لكن ذلك لا يعارض هيمنة هذا الدين، التي نتجت عن اصطفاء واختيار، فقوله سبحانه في الآية الآنفة الذكر: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} تعني: اختيارًا واصطفاءً مبنيًا على علم وحكمة.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله [1] : (( والسلف كانوا مقرين بأن القرآن أحسن الحديث وأحسن القصص كما أنه المهيمن على ما بين يديه من كتب السماء ) )، ثم قال: (( ولما كان القرآن أحسن الكلام، نهوا عن اتباع ما سواه، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [2] ، وروى النسائي وغيره [3] عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه [شيئا من التوراة] فقال: «لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم» ، وفي رواية: «ما وسعه إلا اتباعي» ، وقال: (( فالسلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب ومعلوم أن المهيمن على الشيء أعلى منه مرتبة ) )، (( وهكذا القرآن فإنه قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر وزاد ذلك بيانا وتفصيلًا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين وقرر الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم، ونصره لأهل الكتب المتبعين لها، وبين ما حرف منها وبدل، وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبين أيضا ما كتموه مما أمر الله ببيانه، وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة، فهو شاهد بصدقها، وشاهد بكذب ما حُرِّف منها، وهو حاكم بإقرار ما أقره الله ونسخ ما نسخه، فهو شاهد في الخبريات حاكم في الأمريات ) ).
هذا في شأن القرآن الذي هو أصل دين الإسلام، وأساسه ومعجزته، وهذا الشأن وهو تضمن هذا الدين لما جاء في الأديان السابقة قد أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: «إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد» [4] مع كونه ناسخًا لها ومهيمنًا عليها، يقول ابن أبي العز
(1) مجموع الفتاوى 17/ 39.
(2) العنكبوت:51.
(3) لم أجده في النسائي -بعد البحث والتحري-، ولكن أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم: (178) ، وابن أبي شيبة في مصنفه، برقم: (172) 6/ 228، وقال عنه الألباني في إرواء الغليل: حديث حسن، حديث رقم: (1589) 1/ 314.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها، برقم: (3187) ، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى عليه السلام، برقم: (4362) .