فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 44

إلصاقهما بالأديان، كما لا يجوز تنحية حكم أو إلغائه بناء على وقوع انحراف، بل الواجب توضيح الأحكام المنضبطة، والقواعد المبنية للشعيرة، ودفع ما يلصق من شبه أو تهم، ويتحرر دفع الشبه حينما ندرك غاية الجهاد التي سبقت الإشارة إليها من خلال النصوص التي وردت، وأنه سبب رئيس لتحرير الإنسان من العبوديات والرق لغير الله، وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فمشروعية الجهاد لإزالة العوائق التي هي تقييدات وعبوديات، وفي ذلك يقول الله سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [1] .

يقول شيخ الإسلام رحمه الله [2] : (( والجهاد مقصوده أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، فمقصوده إقامة الدين لا استيفاء الرجل حظه ) ).

كما أن في الجهاد مقصدًا هامًا لا يختص بالمسلمين، وهو بقاء دولة الإسلام قوية مهابة الجانب، والدولة القوية تحفظ مهابتها ما دامت على هذه الصفة ملازمة لها، وهذه سنة إلهية من السنن التي تبنى عليها الحياة، فلا خير في حق لا نفاذ له، و لايقوم حق ما لم تسانده قوة تحفظه وتحيط به، وما فتئت أمم الدنيا ودولها تعد لنفسها القوة بمختلف الأساليب والأنواع حسب ظروف الزمان والمكان، وعصرنا الحاضر تفتقت أذهان أبنائه عن أنواع من القوى والأساليب من الاستعداد فاقت كل تصور )) [3] .

وأمر ثالث يبين مفهوم الحرية في الجهاد، وذلك حينما ندرك أن المسلمين ليسوا فئة منغلقة، أو جماعة، أو حزبًا، أو ملة مقصورة على مجموعة العقائد، إنما الإسلام في صورته وحقيقته ومضامينه ودلالاته الكبيرة خروج من هذه المفاهيم الضيقة إلى مفهوم حق تتحقق به سعادة البشر وفلاحهم في الدنيا والآخرة، فالجهاد الإسلامي يتوجه من أجل ذلك كله، لا لتستبد أمة بالخيرات، أو ينفرد شعب بالثروات، بل لينتفع كل مسلم من أي جنس أو لون أو قوم بالسعادة البشرية تحت راية الإسلام، ومن هنا فالحقيقة الناصعة أن الجهاد بمفاهيمه ودلالاته وأحكامه وقواعده وضوابطه صورة متكاملة للحرية الحقة، فليس فيه ما يخرج عن هذا الحق الذي ينادي به أولئك، سيما إذا قارنا هذه الصور المثالية بالتصرفات والممارسات والمبادئ والمنطلقات التي ينطلق بها غير المسلمين في قتالهم وحروبهم ضد المسلمين [4] .

الفرع الثاني

الحرية في ضوء حكم المرتد

هذه مسألة يظنها البعض أنها شائكة، وتثار كثيرًا ضد المسلمين عمومًا، والمملكة خصوصًا، ويشغب دعاة حقوق الإنسان بمنافاة هذا الحكم لحقوق الإنسان، ويزعمون أن تطبيقه كسر لهذه الحرية، وربما تجاوب معهم البعض، وسبق أن ذكرت في صدر هذا البحث أن المملكة تحفظت على المادة الثامنة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي ينص على الحق في تغيير الدين وحرية إقامة الشعائر الدينية مع جماعة أمام الملأ، وذلك لاصطدام هذه المادة مع أحكام الشريعة الإسلامية ومع النظام الأساسي للحكم في مادته

(1) البقرة:193.

(2) مجموع الفتاوى 15/ 170.

(3) تلبيس مردود -مرجع سابق/104 - 105.

(4) انظر: المرجع السابق 105 - 108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت