التمهيد
في التعريف بمصطلحات البحث
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
في التعريف بالحق لغة واصطلاحًا، وبيان مصدر الحق
الحديث عن الحرية الدينية باعتبارها حقًا لابد له من مقدمات وممهدات تظهر مدلولات هذه المصطلحات، لحصر جوانب الموضوع، وبالنظر إلى أن الحديث عن الحرية الدينية بهذا التحديد كمصطلح إنما برز من خلال منظمات حقوق الإنسان، فقد اعتمد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة برقم 217 أ (د-3) في 10/ 12/1948 م، ونصت المادة الثامنة عشرة منه على هذا، فقد ورد فيها:"لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنها بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها، سواءً كان ذلك سرًا أم مع الجماعة" [1] .
وقد تحفظت المملكة العربية السعودية في تصويتها لصالح الإعلان على هذه المادة، وكذلك المادة السادسة عشرة، وذلك بسبب اصطدامهما بأحكام الشريعة [2] .
ولذا لابد من بيان مفهوم الحق، ومصدره.
فالحق لغة: له معانٍ متعددة، ترجع في مجملها إلى الثبوت والوجوب، فيطلق الحق على الموجود الثابت، وعلى الواجب، وعلى خلاف الباطل، ومن إطلاقاته: الحظ والنصيب، والصواب وغيرها [3] ، وفي القاموس المحيط [4] : (( الحق من أسماء الله تعالى، أو من صفاته، والقرآن، وضد الباطل، والأمر المقضي، والعدل والإسلام، والمال والملك، والموجود الثابت، والصدق، والموت، والحزم، وواحد الحقوق ) ).
وقال الجرجاني [5] : الحق في اللغة هو: الثابت الذي لا يسوغ إنكاره.
وأما مدلول الحق اصطلاحًا فالذي يظهر أن العلماء السابقين لم يخرجوا عن المدلول اللغوي، وتابعهم على ذلك بعض المعاصرين إلا أنهم قيدوه بقيود، ولهم في ذلك توجهات لست بصدد حصرها، فمنهم من اتجه إلى تعريف الحق بأنه مصلحة ثابتة للشخص، باعتبار أن من مصادر الحق الحماية، والحماية لا تكون إلا لمصلحة، لكنه اتجاه منتقد، باعتبار أن المصلحة هي الغاية من الحق.
ومنهم من اتجه إلى تعريفه بالاختصاص أي الانفراد والاستئثار وهو اتجاه قريب. وأقرب منه من عرف الحق معتمدًا على المدلول اللغوي العائد إلى الثبوت والاستقرار [6] كما مر، وبما أن هذه الاتجاهات -في نظري- غير مؤثرة في موضوع البحث فإنني أميل إلى المفاهيم المختصرة التي تبين المدلول، وتُقّرِبه، لاسيما عند العلماء السابقين، ولكن قد لا يظهر ذلك إلا ببعض التقسيمات التي ذكرها العلماء، فمن أبرز التقسيمات تقسيم الحقوق إلى حق لله، وحق للعبد، ومنهم من يجعل قسمًا ثالثًا واسطة بينهما، فيجعل
(1) ينظر: حقوق الإنسان في الإسلام ا. د. محمد الزحيلي/ 396.
(2) ينظر: دراسة صادرة عن الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في المملكة بعنوان:"مدى انسجام الأنظمة السعودية مع اتفاقيات حقوق الإنسان الرئيسة/ 38،22."
(3) لسان العرب مادة: حقق 10/ 49.
(4) للفيروز آبادي مادة: الحق 3/ 221.
(5) التعريفات/122.
(6) انظر: إرث الحقوق في الفقه الإسلامي - رسالة ماجستير للباحث: عياد العنزي من جامعة الإمام 1/ 54 - 58.