المبحث الثاني
في تأصيل الحرية الدينية من وجهة نظر شرعية
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
ثبوت هذه الحرية من خلال نصوص الكتاب والسنة القولية والعملية
وفيه فرعان:
الفرع الأول
الحرية من خلال نصوص القرآن
من خلال مفاهيم الحرية السابقة تبين أن فرض حرية مطلقة غير صحيح، وأن هذا لم يوجد حتى في الديانات الأخرى، فدرجة الحرية الدينية التي يتمتع بها الناس تختلف من بلد لآخر، والدين يمس أعمق المشاعر لدى كثير من الناس، وبالاستقراء والتتبع بين مجموعة الدول والدول الإسلامية التي تتبع الإسلام وتحكم به نجد أن الدول المسلمة تتيح قدرًا من الحرية الدينية لا مثيل له في الديانات الأخرى [1] ، وهذا نابع من الموقف الشرعي الذي يسمح بهذا القدر من الحرية، ولكي يكون هذا التصور دقيقًا ومتوازنًا، فإننا نستعرض بعض النصوص التي يستنتج منها هذا المبدأ في التعامل مع غير المسلمين، وقد وردت في كتاب الله آيات كثيرة تدل على أن الحرية متاحة، وأن الأصل في اعتناق الدين الإسلامي هو: القناعة المبنية على الدراسة والنظر والشعور بالطمأنينة واليقين التام، ويمكن تقسيم هذه النصوص إلى مجموعتين، الأولى: ما ورد في الجهاد، على اعتبار أن الاتهام من غير المنصفين يتجه إليه، وقد مر فيما سبق الآيات التي جعلت مشروعيته قائمة على رد عدوان المعتدين، وصدهم عن سبيل الله، ومنعهم الناس من معرفة هذا الدين، والدخول في رحمته، وفي هذا من العدل، وكشف هذه الشبهة ما يكفي، ويضاف إلى ذلك أن مجموعة النصوص جعلت غاية الجهاد وهدفه أمرًا ساميًا بعيدًا عن القسر والإكراه، فلم يرد في نص واحد أن غاية الجهاد إسلام المقاتَلين أو إجبارهم على ذلك، فمثلًا في شأن أهل الكتاب، ولهم خصائص وأحكام ليست كغيرهم، يقول الله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [2] ، ولم يقل"حتى يسلموا".
أما المجموعة الثانية فهي النصوص التي وردت صراحة بنفي الإكراه والقسر في الدين، مثل قوله تعالى: {لَا ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} [3] ، وقال سبحانه: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [4] ، وقوله سبحانه: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [5] ، وقوله سبحانه: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [6] ، قال ابن القيم رحمه الله على الآية
(1) انظر: الموسوعة العربية العالمية 9/ 308 - 309.
(2) التوبة:29.
(3) البقرة:265.
(4) يونس:99.
(5) الكهف:29.
(6) الغاشية:21 - 22.