فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 44

يمكن التعامل والتعايش مع بقاء كل على دينه، لكن في أحكام الآخرة التي وردت النصوص بها، ووجب اعتقاد موجبها أن الحق في دين الإسلام، ويمكن أن يقال أن الحرية هنا في التفكير، وهي التي كفلها الإسلام، ومنح الإنسان الحواس والعقل ليصل إلى الحق، وهو مسؤول ويتحمل مسؤوليته أمام الله، (( أما حرية الاعتقاد فلم يمنحها الله مطلقة، بحيث يعتقد كل إنسان كما يشاء، بل الله سبحانه يلزم العقلاء البالغين من البشر باعتقاد ربوبيته وألوهيته وطاعته والخضوع له وحده، ولا يقبل منهم غير ذلك ) ) [1] ، ولذلك فالواجب عنا هو الذي يوافق الحق الذي بعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - والطريق إلى ذلك هو محل الخيار والاختيار، وكذا في التعامل مع غير المسلم لا يقسر ولا يكره.

ومع ذلك فإن الله حكيم عليم رحيم، لا يعذب إلا بعد بلوغ الحجة، وبيان الحق، وقيام الدليل على ذلك، ومن هنا فالعذر بالجهل الذي قرره العلماء يشمل حتى ما يتعلق بأصول الدين، قال الله تعالى: {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ} [2] ، وقال: {مِنْكُمْ مَرِيضًا ? ? ? ?} [3] ، وقال: {عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ} [4] ، إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أنه متى ما هدى الإنسان عقله إلى خيار ولم يظهر له الحق في غيره فإنه يكون معذورًا، وهذا يظهر بجلاء أن الحرية مجالها أوسع مما نتصوره.

المسألة الثالثة

فهم هذه الحرية في ضوء ما يظن أنه معارض

وفيه فرعان:

الفرع الأول

الحرية في ضوء فهم الجهاد

الجهاد في سبيل الله عبادة من العبادات العظيمة، بل هو ذروة سنام الدين، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد» [5] ومن الخطأ البين والمفارقة العجيبة أن بعض الناس نظرًا لاستغلال هذا المصطلح من قوم انحرفوا عن الصراط، واشتط بهم الطريق، وتوغلوا في متاهات المبادئ المنحرفة، والآراء المضللة، فزعموا أن التكفير والخروج على الأئمة والحكام، واستهداف الأمن، وقتل المعصومين من المسلمين، وغير ذلك من الجرائم زعمها أولئك جهادًا، فصار بعض الناس كردة فعل لهذه المواقف الشنيعة صاروا ينكرون الجهاد، فمنهم من ينكره جملة وتفصيلًا، ويرى أن لا جهاد موجود، بناء على مداراة غير المسلمين، وأنكروا فرضيته أصلًا، ومنهم من قال إن الدين بلغ الآفاق، وتحققت غاية الجهاد، ومنهم وهم الأقل خطورة فرضوا ضعف المسلمين كصورة باقية، ومع وجودها واستمرارها فلاجهاد، لأنه لن تقوم للمسلمين قائمة، وهذا القول الأخير مع التسليم بمقدمته وهي أن المسلمين اليوم يعيشون حالة من الذل والهوان، وتسلط الأعداء إلا أن فرض هذه حالة دائمة فيه سوء ظن بالله، واعتقاد إدالة الباطل على الحق وهذا مالا يجوز.

ويقال في توضيح هذه الجزئية المهمة: إنه لا يجوز التجاسر على نصوص وقواعد وأحكام بناء على سوء استغلال من طرف معين، كما أنه لم يؤسس أحد من المنصفين نظرية في الإرهاب النصراني أو اليهودي، فالإرهاب والتطرف لا دين لهما، ولا يجوز

(1) تلبيس مردود في قضايا حية-مرجع سابق/22.

(2) النساء:165.

(3) الإسراء:15.

(4) التوبة:115.

(5) أخرجه أبو داود، باب ما جاء في حرمة الصلاة، برقم: (2616) وقال: حديث حسن صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت