فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 44

المجال، فالشريعة الإسلامية بمبادئها وقواعدها وأحكامها سبقت كل القوانين البشرية والمواثيق العالمية في وضع أسس هذه الحقوق، بل وصورها بشكل أوفى وأشمل، وأدق وأصلح في الحال والمآل، ومن ذلك هذا الحق كما سيظهر في هذا البحث، والذي يهمني هنا ذكر مفهوم حقوق الإنسان، وقد مر مفهوم الحق، وإذا أضيف إلى الإنسان فهذه الإضافة تقيد هذه الحقوق بما ثبت للإنسان من حقوق على اختلاف مصادر هذه الحقوق عند من يثبتها [1] ، ولكن غلب هذا الإطلاق على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المشار إليه فيما سبق، والذي يتضمن المبادئ الرئيسة للحقوق المهنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والحريات الفردية [2] ، كالحق في الحرية، وفي المساواة، وفي الكرامة، وفي الحياة، وفي الأمن، وفي العمل، وفي التعليم، وفي حرية الرأي، وفي العدالة وغيرها، وكافة آليات القانون الدولي لحقوق الإنسان اللاحقة لهذا الإعلان ما هي إلا تفصيلات لحق معين أو حقوق وردت في هذا الإعلان [3] ، وفي النظرة الشرعية لا نجد هذا الإطلاق"حقوق الإنسان"في نصوص الشارع، بل الأمر الذي ورد وهو يفيد ما يفيده هذا اللفظ وبشمولية ودلالة أدق هو التكريم الذي ذكره الله في كتابه في مثل قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [4] ، وربما يكون في لفظة حقوق الإنسان من التعميم والإطلاق ما يشير إلى سبب عدم وروده في نصوص الكتاب والسنة، ولذا يمكن بناءً على هذا التصور أن يقال: بأن حقوق الإنسان في الإسلام ما يتضمنه التكريم من صور تعد ضمانات لحقوقه الأساسية، التي تزداد وتعظم بحسب قيامه بحق من كرمه وسواه وخلقه وهداه.

وهذه الصور تشمل تكريمه قبل خلقه، وذلك بتكريم أبي البشر آدم عليه السلام، وأمر الملائكة بالسجود له، وتشمل التكريم بالخلق والاصطفاء والاختيار، والتكريم بالعقل، والتكريم بالرسالات والكتب وغيرها من صور التكريم [5] ، وفي هذه الحقوق من التوازن والعدل، وعصمة الصدر، وشمولية الحقوق، وثبات المبادئ، وعدم خضوعها للنسبية أو التغيير أو التبديل ما يجعلها مثالية للتطبيق، تربو على كل المبادئ والمثل البشرية، ولست بصدد المقارنة بين هذه الحقوق وما ورد في المواثيق الدولية، وإنما أردت أن تكون هذه الديباجة مدخلًا لما سيأتي من بيان.

المسألة الثالثة

في بيان مفهوم الحرية

قال ابن فارس [6] : (( الحاء والراء في المضاعف له أصلان، فالأول: ما خالف العبودية وبرئ من العيب والنقص، يقال هو حرٌّ بين الحرورية والحرية، ويقال: طين حر لا رمل فيه .. والثاني: خلاف البرد ) ).

والتحرير: إثبات الحرية، والحرية مصدر الحر [7] ، والحر نقيض العبد، والجمع أحرار وحِرار، والحر من الناس أخيارهم وأفاضلهم، وحرية العرب أشرافهم [8] .

(1) انظر: قانون حقوق الإنسان، مرجع سابق-/35.

(2) الموسوعة العربية العالمية 9/ 472.

(3) مدى انسجام الأنظمة السعودية مع اتفاقيات حقوق الإنسان - مرجع سابق-/21.

(4) الإسراء:70.

(5) انظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي/463 (تفسير سورة الإسراء) ، وتكريم الإنسان في الإسلام د. فاروق مساهل/15 وما بعدها.

(6) معجم مقاييس اللغة مادة"حرَّ"/240.

(7) انظر: طلبة الطلبة للنسفي/114.

(8) انظر: لسان العرب لابن منظور"حرر"،4/ 181 - 182.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت