فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 44

فظهر بهذا أن للكلمة اشتقاقين، والذي يعنينا هو اشتقاق الكلمة من نقيض العبودية، وأن هذا الوصف رفعة وشرف ومدح، ويعود إلى إطلاق الإنسان من القيود التي تمنع التصرف، ولذا يمكن وصف الحرية بأنها: الحالة التي يستطيع الأفراد فيها أن يختاروا ويقروا بوحي من إرادتهم، ودونما أية ضغوط من أي نوع عليهم [1] ، وبالنظر إلى المفهوم الدقيق للحرية لا يمكن فرض حرية مطلقة دونما قيود إلا في الذهن، أما في الواقع فإن الإنسان مدني بطبعه، لا يعيش وحده، وإنما يعيش في مجتمع متماسك يؤذيه ما يؤذي بعضه، يقول ابن خلدون في المقدمة الأولى [2] في أن الاجتماع الإنساني ضروري، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: (( الإنسان مدني بالطبع ) )أي: لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنيه في اصطلاحهم )) .

وإذا كانت حاجات الإنسان الأساسية مرتبطة بالآخرين فلا يتصور في الدنيا حرية مطلقة غير مقيدة بنظام، ولا تكون حرية الفرد إلا إذا سلمت حريات الآخرين، ولذا قد تكون الحرية بالمنع أحيانًا، أما ما يتصوره البعض من أنه يمكن فرض حرية مطلقة وينظر إليها على أنها من حقوقه فهذه علاوة على أنه لا يمكن تصورها لأنها الفوضى المطلقة، فهي عبودية ذميمة من وجه آخر إما لشخص أو لقيمة من قيم الحياة المادية، لأن الانطلاق وراء كل شهوة والانفلات من كل قيد يكون استعبادًا للشهوة والهوى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [3] : (( فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استعبد بدنه واسترق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ذلك مطمئنا بل يمكنه الاحتيال في الخلاص، وأما إذا كان القلب الذي هو الملك رقيقا مستعبدا متيما لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية لما استعبد القلب ... فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب كما أن الغنى غنى النفس ) ).

وقد بدأ استعمال هذا المصطلح في البلدان التي عاشت تحت الحكم الاستعماري، وارتبط مفهوم الحرية بالاستقلال وحق تقرير المصير، وفي العالم الغربي ارتبط هذا المفهوم بالديمقراطية، ولذا فإن الإشارة إلى أنواع الحريات التي يدخل في تصنيفها الحرية الدينية هو تصنيف غربي يجري تطبيقه في الدول الرأسمالية الغربية، وتعني الحرية الدينية في مفاهيمهم: حرية الاعتقاد، وممارسة الشعائر الدينية التي يختارها الفرد لنفسه [4] .

وسوف يكون هذا المصطلح محور هذا البحث من حيث دقة المصطلح، ونظرة الإسلام إليه فيما يأتي.

(1) انظر: الموسوعة العربية العالمية"الحرية"9/ 305.

(2) مقدمة ابن خلدون 1/ 45.

(3) مجموع الفتاوى 10/ 86.

(4) انظر: الموسوعة العربية العالمية 9/ 305.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت