فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 44

5 -وقوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ ? ? ? ?} [1] ، أي: وإن مالوا إلى مسالمتك وترك الحربَ، إما بالدخول في الإسلام، وإما بإعطاء الجزية، وإما بموادعة، ونحو ذلك من أسباب السلم والصلح فمل إليها، وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوك [2] .

وفيه توجيه عام إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى المسلمين بأنه إن مال الأعداء عن جانب الحرب إلى جانب السلم خلافًا للمعهود منهم في حال قوتهم، فما على الرسول والمسلمين إلا الجنوح كذلك للسلم لأن المسلمين أولى به من غيرهم [3] .

6 -وعلى هذا النحو كانت أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وسيرته في الحروب والمسالمات تشهد على ذلك، فظل الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى دين الله في مكة ثلاث عشرة سنة حتى يتقرر هذا الأصل في السلام، واستأنف الدعوة السلمية في المدينة [4] ، وكانت غزواته حينما يقابله الكفار ويبتدئونه العداء، أو بناء على الأذية السابقة منهم، وأما مع الكف وعدم المقاتلة فلم يثبت قتاله، وسيرته - صلى الله عليه وسلم - مع يهود المدينة شاهد على ذلك.

القول الثاني: أن الأصل في العلاقة بين المسلمين والكفار الحرب، وأن الجهاد فرض قائم على الأمة الإسلامية، لا يحل لها تركه والتهاون به والتكاسل عنه، حتى وإن لم يبدؤونا الكفار بالقتال، وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من العلماء المتقدمين [5] ، ويمكن أن يقال إنه فهم يستنبط مما ذكروه في كتب المغازي والسير والجهاد، وفي التسليم بهذا الفهم مناقشة.

واستدل أصحاب هذا القول بعدة نصوص منها:

1 -قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [6] ، ففي هذه الآية أمر بقتال الذين يقاتلون، فَعُلِم من ذلك أن شرط القتال كون المقَاتَل مقاتِلًا، أي: ممن سمح بقتالهم، فهو شرط للقتال وليس علة له.

2 -قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [7] ، هذه الآية عامة في كل مشرك، وخص منها المرأة والراهب وصاحب العهد والذمة وغيرهم، فصفة الكفر والشرك هي العلة في القتال ودائمة الوجود حتى قيام الساعة [8] ، فيكون دليلًا على أن الأصل في العلاقة الحرب والقتال.

3 -قوله تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} [9] ، فالله سبحانه نهى المؤمنين عن الوهن وطلب المسالمة، وهذا يبين أن السلم ليس بأصل لتلك العلاقة.

(1) الأنفال: 61.

(2) انظر: تفسير الطبري 14/ 40.

(3) انظر: تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا، 5/ 268.

(4) المرجع السابق 2/ 256.

(5) انظر: الكافي لابن عبد البر 1/ 466، والمهذب للشيرازي 2/ 259، وكشاف القناع للبهوتي 3/ 111، وغيرهم، بل إن بعضهم أوجب على الإمام أن لا يخلي سنة من تجهيز غزوة أو أكثر.

(6) التوبة: 36.

(7) التوبة: 5.

(8) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 8/ 72 - 73.

(9) محمد: 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت