تتضح معالم الحرية في ضوء هذا الحكم الثابت فإن المتأمل فيه يجد أنه غير معارض للحرية الحقة الموافقة للنصوص، لأن الدخول في الإسلام السابق لهذه الصورة لم يجر فيه قسر ولاإكراه، بل إن هذا الخيار لو وقع إكراهًا لم يعتد به، فالحرية المبنية على التعقل والتبصر ووضوح الهدف وسلامة الطريق الموصل إلى الدين كلها شواهد على الحرية السابقة، والتأمل في الخيار اللاحق الذي يريد به الارتداد والخروج عن دين الإسلام هو الآخر لا يحصل عن قناعة واختيار وحرية تامة، لأن دين الإسلام هو الموافق للفطرة، المحقق للسعادة العاجلة والآجلة، الذي تضمن بأحكامه وتشريعاته الكمالات، فلا يتركه أحد سخطة له، كما استدل بذلك هرقل عظيم الروم على أنه الدين الحق، حينما سأل أبا سفيان: هل يترك هذا الدين أحد سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا [1] ).
فاختيار الردة بناء على فقد صورة الحرية إما بضغوطات شخصية، أو لمكيدة دفع إليها قصد سيء أو لغير ذلك من العوامل.
وإذا عرفنا مكانة هذا الدين وأنه دين شامل كامل ينتظم علاقة الإنسان بربه وعلاقة الإنسان بغيره ممن حوله، فهو نظام عام، فالخروج عليه خروج على النظام العام، فلا بد من الزجر والردع حتى لا يقع الخلل في هذا النظم العام، ولذا جاء حد الردة ضمن كلية من الكليات الخمس التي وردت المحافظة عليها في كل الملل -وهي كلية الدين-، وهي قدر مشترك بين الديانات، فالحكم الثابت فيها يتفق مع هذه الكلية العظيمة، ويعزز هذا أنه لو تصور حرية بلا قيد في هذا الجانب لكانت الأمور فوضى، سواء في حال الشخص الذي ينتقل أم في احترام الأديان والمشاعر، وإذا كان الخروج على المجتمع، ونبذ قواعده ومشاقة أبنائه وخيانة الأوطان وغير ذلك من السلوكيات والتصرفات التي تحرمها القوانين السائدة في كل بلد، وتعتبرها مفاسد متراكمة، وفوضى خلاقة، فكذلك هذا الشأن، لأن لكل حرية خطوطًا حمراء لا يجوز تجاوزها في الشأن البشري، فكيف بالتشريع الإلهي {الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [2] ، وعقوبة الإعدام موجودة في كثير من القوانين المعاصرة سواء لمهربي المخدرات أو للجرائم العظيمة العامة لما لهذه العقوبة من أثرفي الحد من الجريمة والتخفيف منها، وحماية المجتمع من آثارها، ولم يعترض أحد بأن مثل هذه العقوبة مصادمة للحرية فكذلك في شأن عقوبة المرتد [3] .
فبان بهذا أن الحرية لا تزال في الإطار الذي ينظم المصالح العامة والخاصة، ويقيد الحرية الخاصة لئلا تتعارض مع الصالح العام، وأنها بهذا التصور محققة لهذا التوازن المطلوب، والشأن الموجود في كل الملل، وهذا ظاهر ولله الحمد.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في باب كيف بدئ الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، برقم: (7) ، ومسلم في باب كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، برقم: (4707) .
(2) المُلك:14.
(3) انظر: تلبيس مردود -مرجع سابق/33 - 39.