المطلب الأول
هل يعقّ عن الكبير؟
يرى الجمهور [1] أنه يعقّ عن الذكر والأنثى الصغيرين فقط ودليلهم ... قوله:"كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويماط عنه ... الأذى" [2] .
فإن أخرت عن البلوغ سقطت عمن كان يريد أن يعقّ عنه [3] .
ويرى البعض أنه يعقّ عن الكبير ولو بعد البلوغ، لأنه قضاء فلا يتوقف على وقت معين [4] .
ولكن إذا بلغ الإنسان ولم يعقّ عنه هل يعق عن نفسه؟
أُختلف في ذلك أيضًا.
فيرى البعض أنه لا يسن أن يعقّ الإنسان عن نفسه بعد البلوغ سواء كان غنيًا أو فقيرًا؛ لأنها بعد البلوغ لا تسمى عقيقة، ولأن السنة في حق غيره [5] .
ويرى البعض أنه يعقّ عن نفسه إذا بلغ ولم يعقّ عنه تأسيًا برسول الله - حيث روى"أنه عقّ عن نفسه بعدما بعث بالنبوة" [6] ،"ولأنها"
(1) بداية المجتهد ج 1 ص 463.
(2) سبق تخريجه بهامش ص 19.
(3) فتح البارى ج 9 ص 489.
(4) بداية المجتهد ج 1 ص 463، المغنى ج 8 ص 661، الروض المربع مع الحاشية ج 4 ... ص 249، وانظر نيل الأوطار ج 5 ص 136.
(5) الروض مع الحاشية ج 4 ص 243.
(6) قال عنه ابن حجر في فتح البارى ج 9 ص 489:"ونقل عن نص الشافعى في البويطى =أنه لا يعقّ عن كبير، وليس هذا نصًا في منع أن يعقّ الشخص عن نفسه بل يحتمل أنه يريد أن لا يعقّ عن غيره إذا كبر وكأنه أشار بذلك إلى أن الحديث الذى ورد أن النبى - عق عن نفسه بعد النبوة"لا يثبت وهو كذلك، فقد أخرجه البزار من رواية عبد الله بن محرر وهو بمهملات عن قتادة عن أنس، قال البزار: تفرد به عبد الله وهو ضعيف ا. هـ. وأخرجه أبو الشيخ من وجهين آخرين أحدهما من رواية إسماعيل بن مسلم، عن قتادة وإسماعيل ضعيف أيضًا، وقد قال عبد الرزاق إنهم تركوا حديث عبد الله بن محرر من أجل هذا الحديث، فلعل إسماعيل سرقه منه، ثانيهما: من رواية أبى بكر المستملى عن الهيثم بن جميل وداود بن المحبر قالا: حدثنا عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس، وداود ضعيف، لكن الهيثم ثقة، وعبد الله من رجال البخارى، فالحديث قوى الإسناد وقد أخرجه محمد بن عبد الملك بن أيمن عن إبراهيم بن إسحاق السراج، عن عمرو الناقد وأخرجه الطبرانى في الأوسط عن أحمد ابن مسعود كلاهما عن الهيثم بن جميل وحده به، فلولا ما في عبد الله بن المثنى من المقال لكان هذا الحديث صحيحًا، لكن قد قال ابن معين ليس بشئ وقال النسائى ليس بقوى، وقال أبو داود: لا أخرج حديثه، وقال الساجى: فيه ضعف، لم يكن من أهل الحديث، روى مناكير، وقال العقيلى: لا يتابع على أكثر حديثه، وقال ابن حبان في الثقات: ربما أخطأ، ووثقه العجلى والترمذى وغيرهما فهذا من الشيوخ الذين (إ) ذا انفرد أحدهم بالحديث لم يكن حجة، وقد مشى الحافظ في الضياء على ظاهر الإسناد فأخرج هذا الحديث في الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين ويحتمل أن يقال: إن صح هذا الخبر كان من خصائصه - كما قالوا في تضحيته عمن لم يضح من أمته.
وقد رواه ابن حزم قائلًا"وقد روينا من طريق ابن أيمن نا إبراهيم بن إسحاق السراج، نا عمرو بن محمد الناقد، نا الهيثم بن جميل، نا عبد الله بن المثنى بن أنس، نا ثمامة بن ... عبد الله بن أنس، عن أنس أن رسول الله - عق عن نفسه بعدما جاءته النبوة"المحلى ج 6 ص 239.
=وقال عنه ابن قيم الجوزية في زاد المعاد ج 2 ص 332: قال مهنأ. قال أحمد: هذا منكر، وضعف عبد الله ابن المحرر، وفى هامش زاد المعاد ج 2 ص 332: وذكره الحافظ في الفتح ... (9/ 514) ونسبه للبزار وقال البزار: تفرد به عبد الله بن محرر وهو ضعيف. ووصفه الحافظ في التقريب بقوله: هو متروك. وقال عنه ابن قيم الجوزية في تحفة الودود ص 83:"وفى مصنف عبد الرزاق أنا عبد الله بن محرر، عن قتادة عن أنس: أن النبى - عق عن نفسه بعد النبوة"قال عبد الرزاق:"إنما تركوا ابن محرر لهذا الحديث".
وقال الشوكانى:"ويجوز أن يعقّ الإنسان عن نفسه إن صح ما أخرجه البيهقى عن أنس أن النبى - عق عن نفسه بعد البعثة"ولكنه قال إنَّه منكر، وفيه عبد الله بن محرر بمهملات وهو ضعيف جدًا، كما قال الحافظ وقال عبد الرزاق: إنما تكلموا فيه لأجل هذا الحديث، قال البيهقى: ورُوِىَ من وجه آخر عن قتادة عن أنس وليس بشئ، وأخرجه أبو الشيخ من وجه آخر عن أنس وأخرجه أيضًا ابن أيمن في مصنفه والخلال من طريق عبد الله بن المثنى عن ثمامة ابن عبد الله عن أنس عن أبيه به وقال النووى في شرح المهذب: هذا حديث باطل وأخرجه أيضًا الطيرى والضياء من طريق فيها ضعف"- نيل الأوطار ج 5 ص 136."
لكن قال إبراهيم بن محمد أبو حذيفة بعد أن ذكر في كتابه العقيقة سنة لن تموت ص 21 ما قاله النووى:"ولكن قال عنه حبيت الأعظم في تخريجه على مصنف عبد الرازق: أخرجه البزار والطبرانى في الأوسط، ورجاله ثقات كما في مجمع الزوائد للهيثمى 4/ 59 انتهى المصنف 4/ 329."
وقال عنه الدكتور عبد الغفار البندارى في تحقيقه لتحفة الودود بالهامش ص 81 - 82: ..."صحيح أما الحديث فقد جاء من طريقين: أحدهما من طريق الهيثم بن جميل، عن ... عبد الله بن المثنى، عن ثمامة عن أنس مرفوعًا، وذكره. وأما الآخر فمن طريق عبد الله بن المحرر عن قتادة، عن أنس مرفوعًا به، أما رواية الهيثم بن جميل فهى رواية صحيحة. قال الهيثمى فى (م. الزوائد 4/ 59) رواه البزار والطبرانى في الأوسط، ورجاله الطبرانى =رجال الصحيح خلا الهيثم بن جميل وهو ثقة، وقال الحافظ في الفتح (9/ 514 - بولاق) فى عقب رواية داود ابن المجبر والهيثم بن جميل كلاهما عن عبد الله بن المثنى، وداود فيه ضعف لكن الهيثم ثقة، وعبد الله من رجال البخارى فالحديث قوى ... الإسناد ا. هـ. قال الحافظ في الفتح: وقد مشى الحافظ الضياء على ظاهر الإسناد فأخرج هذا الحديث في الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين قال: وقد أخرجه الطبرانى في ... الأوسط، عن أحمد بن مسعود، كلاهما عن الهيثم بن جميل،. . فلولا ما في عبد الله بن المثنى من المقال لكان الحديث صحيحًا وقال في مقدمة فتح البارى (مقدمة / 181 - بولاق) لم أر البخارى احتج به إلا في روايته عن عمه ثمامة - فأثبت الحافظ رواية البخارى له (5/ 387) - فعنده عنه أحاديث، وأخرج له من روايته عن ثابت عن أنس حديثًا توبع فيه عنده، وهو في فضائل القرآن، وأخرج له أيضًا في اللباس عن مسلم بن إبراهيم عنه عن عبد الله بن دينار عن عمر في النهى عن القزع بمتابعة أ. هـ، فمن الواضح أن البخارى قد عده من رجاله لكن عن ثمامة عن أنس، وهذه الرواية مما رواه عن ثمامة عن أنس، أما عبد الله بن المثنى فقد ترجم له الحافظ في تهذيبه (5/ 388) فذكر من وثقوه: فوثقه العجلى والترمذى والدارقطنى وابن حبان، وقال ابن معين وأبو زرعة: صالح الحديث، وزاد أبو حاتم شيخ، وذكر رواية البخارى له بغير متابعة في هدى السارى ... (مقدمة / 181 - بولاق) عن عمه ثمامة، عن أنس وبمتابعة في صحيحه قد وثقه أيضًا الهيثمى فى (م. الزوائد 4/ 59) كما ذكر ابن حجر أما من جرحوه: فلم يجزم النسائى بضعفه، قال: ليس بالقوى، ومرَّض ابن حبان حكمه فيه فقال: ربما أخطأ، وأما من رماه بالضعف فلم يفسر هنا مع جزم من جزموا بتوثيقه، ورواية البخارى له عن عمه ثمامة عن أنس بغير متابعة توثيق له، فلو صح أن لعبد الله بن المثنى مناكير، فهى حتمًا فيما تفرد به في غير روايته عن عمه ثمامة عن أنس، ولذا روى له البخارى في غير عمه ثمامة بمتابعة كما فى (فضائل القرآن) و (كتاب اللباس) ورغم ذلك لم يتفرد عبد الله ابن المثنى فقد نقل =الحافظ في الفتح والبيهقى رواية أبى الشيخ عن إسماعيل بن مسلم عن أنس (فذكره) . أما إسماعيل بن مسلم فهو أبو إسحاق البصرى متهم في ضبطه ذكر عنه الحافظ في تهذيبه (11/ 331) : كان صدوقًا يكثر الغلط ونقل أيضًا عنه: ليس بمتروك يكتب حديثه قلت: فمثله تصلح روايته للمتابعة وقد جاء الحديث من طريق عبد الله بن المحرر عن قتادة عن أنس مرفوعًا، ورجاله كلهم ثقات غير عبد الله بن المحرر هذا فهو ضعيف فالحديث بهذه الطرق وإن كان في بعضها ضعف له أصل وليس بمنكر إذ لم يتفرد به عبد الله بن المحرر كما قال البزار، وقد ثبت الحديث من طريق صحيح من رواية الهيثم بن جميل عن عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس".
هكذا انتهى الدكتور عبد الغفار إلى الحكم بصحة الحديث رغم أن جميع الطرق فيها من تكلم فيه ولم ينقل كل ما قاله الحافظ في الفتح عن عبد الله بن المثنى والأولى أن يقال إنَّه حسن لغيره حيث ارتفع من الضعف إلى الحسن بكثرة الطرق.