فهرس الكتاب
أما الثانية فهي على تنوعها - غالبًا - لا تدرك درجة السابقة، وكثيرًا ما تركز على دلالة الآية على الحكم مع بعض الاستثناء ·
أمّا الكتب المصنفة في التفسير الفقهي فقد جمع مصنفوها من فقهاء المفسرين ضمنها ثروة تشريعية مهمة، وبحكم توسعهم في الاستنباط وتعقبهم لمختلف المسائل غدت التفاسير التي جردوها للأحكام مصادر للخلاف ·
ففي تفسير آية الصيام من سورة البقرة (1) :
نجد الإمام البيهقي يجمع ضمن"أحكام القرآن"للشافعي مرويات أعلام المذهب في العراق ومصر:
فنصادف في"الأحكام"مرويات المزني وحرملة والربيع والزعفراني ·· (2) ·
وفي تفسير الآية نفسها يورد الجصاص في أحكامه مجمل ماذهب إليه أبوحنيفة ومحمد بن الحسن وأبو يوسف وزفر، ثم يتبع ذلك بذكر الخلاف بين أئمة الاجتهاد فيذكر رأي الثوري والمزني عن الشافعي وربيعة الرأي ومالك بن أنس، ثم يعقب برأيه هو"قال أبو بكر: قد ذكرنا في تأويل الآية ··" (3) ·
وفي تفسير الآية أيضًا عمد ابن العربي المعافري في"أحكام القرآن"إلى استقصاء آراء أئمة المذاهب، وكان يعقب بما يظهر له أنه الراجح"قال أبو بكر"أو"قال القاضي"أو"قال علماؤنا···" (4) ·
أما حين نرجع إلى"الجامع لأحكام القرآن"فإننا نجد القرطبي يذكر فقه الصحابة والتابعين وأئمة الاجتهاد ومختلف أقوال علماء المذهب المالكي كابن القاسم وأشهب (5) ·
وخارج دائرة كتب التفسير الفقهي نجد المصنفات التي اهتمت بتفسير سور القرآن وآياته كلها - واعتنت بالأحكام - جمعت كذلك ثروة فقهية، وكان ديدن مصنفيها جمع فقه المتقدمين خاصة أئمة الاجتهاد واختصار ذلك في أحيان كثيرة مع تركيز على ما يتصل بدلالة الألفاظ والجمل على المباني · وميزة هذه المصنفات مقارنة بالكتب المؤلفة في التفسير الفقهي أننا نجد مصنفيها يستفيدون من تطلعهم وإلمامهم ببعض العلوم المتصلة بالتفسير في سياق تعاملهم مع آيات الأحكام ·
فمن برع من هؤلاء المصنفين في علم المعاني أو علم البيان استفاد منه في تقرير الأحكام، ومن كان منهم مبرزًا في علوم اللغة ظهر ذلك في تفسيره · ففي تفسير آية الصيام - السابقة - أورد أبو حيان الأندلسي في"البحر المحيط"مباحث لغوية بين يدي الآية مستشهدًا بآراء أئمة العلم، ثم انتقل إلى استعراض مذاهب أئمة الاجتهاد الأربعة وأشهر تلامذتهم، وإذا وجد أبو حيان علماء السلف أجمعوا على مسألة أو اشتهرت عندهم اقتصر في الكلام على ما ذهبوا إليه (1) ·
ففي تفسير"المحرر الوجيز"نجد ابن عطية استظهر باللغة - دون توسع - وتعرض لأقوال فقهاء السلف واختلاف العلماء من بعدهم مع الاستطراد فيما روي عن الإمام مالك وتلامذته في فقه الآية ·
ففي كلام ابن عطية عن المرض المبيح للإفطار - من خلال آية الصيام - ذكر مذهب الجمهور وفصل في مذهب المالكية الذي رجحه مستشهدًا بالمنقول عن بعض متقدمي الصدر