الترجيح مستدلًا على ترجيحه بما يناسب من الأدلة (7) ·
هذا ولانكاد نجد في"التفسير القيم"الذي جمعه محمد أويس الندوي من مختلف مصنفات ابن القيم أثرًا للمذهبية، وهذه ميزة طبعت تعامل الشيخ مع آيات القرآن تفسيرًا وتأويلًا، وقد كان منطلق تصور ابن القيم للمذهبية وللتقليد قائمًا على أساس أن أئمة الاجتهاد الذين تنسب إليهم مختلف المذاهب ماهم إلا امتداد لفقهاء الصدر الأول من السلف الصالح وعلمائه، وأن المكلف متعبد بما افترضه الله عليه من واجبات يستوي فيها من عاش قبل ظهور أئمة الاجتهاد - رضي الله عنهم - ومن عاش بعدهم إلى يوم القيامة ·
ظهر باليمن - الذي اشتهر فيه مذهب الزيدية (1) - العديد من المجتهدين والعلماء الذين نزعوا التقليد، ودرجوا في مسائل الفروع على منهج الفقهاء خلال عصر الاجتهاد، ولعل أشهر أعلام أئمة اليمن بهذا الخصوص أبو عبدالله محمد بن المرتضى المشهور بابن الوزير ت 048 هـ (2) ، وخاتمة هؤلاء الأعلام محمد بن علي الشوكاني ·
كان - رحمه الله - شامة في وجه القرن الثالث عشر، وغرة في جبين الدهر، انتهج من مناهج العلم ما عمي على كثير ممن قبله، وأوتي فيه من طلاقة القلم والزعامة مالم ينطلق به قلم غيره (3) ، درس على علماء اليمن في عصره وأولهم والده، وشغل وقته بالإفتاء والتصنيف والدراسة والتدريس، وقبل بلوغه الثلاثين ترك التقليد واجتهد رأيه اجتهادًا مطلقًا غير مقيد (4) ·
اشتهر بين أهل بلده من الزيدية برفضه للمذهبية حتى أوذي، واتهم بإرادة تبديل مذهب أهل البيت، وطالب خصومه من العامة والمتعصبة بمعاقبته لأنه يدرس بجامع صنعاء في صحيح البخاري (1) ·
ولم يقتصر الشوكاني علي رفض تقليد مذهب الزيدية، بل جعل تقليد أي مذهب من مذاهب الفروع مما يمحق العلم · قال:"وأعظم ما أصيب به دين الإسلام من الدواهي الكبار، والمفاسد التي لا يوقف لها في الضرر على مقدار، أمران: أحدهما هذه المذاهب التي ذهبت ببهجة الإسلام وغيرت رونقه وجهمت وجهه وقد قدمنا في هذا ما يستغني عن الزيادة ··" (2) ·
وقال عن التقليد:"فقد كان أوائل المقلدة يعتمدون على أئمتهم في المسائل الشرعية ويعولون على آرائهم، ويقفون عند اختياراتهم، ويدعون نصوص الكتاب والسنة" (3) ·
وقال في حقيقة المذهبية:"فإنها - أي الشريعة - وديعة الله عندك وأمانته لديك فلا تخنها وتمحق بركتها بالتعصب لعالم من علماء الإسلام، بأن تجعل مايصدر عنه من الرأي ويروى له من الاجتهاد حجة عليك وعلى سائر العباد، فإنك أن فعلت ذلك كنت قد جعلته شارعًا لا متشرعًا مكلِّفًا لا مكلَّفًا، ومتعَبَّدًا لا متعِبّدًا وفي هذا من الخطر عليك والوبال لك ما قدمناه، فإنه وإن فضلك بنوع من أنواع العلم وفاق عليك بمدرك من مدارك الفهم، فهو لم يخرج بذلك عن كونه محكومًا عليه متعبدًا بما أنت متعبد، فضلًا عن أن يرتفع عن هذه الدرجة إلى درجة يكون رأيه فيها حجة على العباد ··" (4) ، والشوكاني - رحمه الله - حين يرفض المذهبية يحرص في المقابل على بيان فضل أهل الحديث وفضل هذا العلم على سائر العلوم