فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 64

كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلابد له من عذر في تركه" (1) ·"

وإذا كان الأئمة في عصور الاجتهاد غير منزهين عن الزلل، فإن ذلك يقتضي عدم التعصب لآرائهم ولا تقليد اجتهادهم بإطلاق ·

قال الشاطبي - رحمه الله:"··· إذا ثبت هذا فلابد من النظر في أمور تنتهي عند هذا الأصل، منها أن زلة العالم لايصح اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بها تقليدًا له، وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع ···، كما أنه لاينبغي أن ينسب إلى صاحبها التقصير، ولا أن يشنع عليه بها ولا ينتقص من أجلها أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتًا، فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين" (2) ·

لقد كان تصور المعاصرين لاختلاف الأئمة مبنيًا على فهم يقتضي:

-أن العصمة عن الخطأ إنما هي للصادق المصدوق المؤيد بالوحي عليه السلام ·

-أن المجتهدين مأجورون، وهم بشر يصيبون ويخطئون ·

-أن اجتهادات الأئمة إنما يؤخذ بها متى كانت موافقة للشرع، وأنه لايجوز التعصب لهم، أو اتباع آرائهم تقليدًا، وإنما الواجب اتباع الحق الذي بعث به صاحب الرسالة عليه السلام، وقد نقل عن أعلامهم"ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم" (3) ·

كثيرًا ما كان اختلاف الائمة راجعًا إلى أن الحديث الوارد في المسألة لم يبلغ أحدهم، وقد يبلغه لكنه اعتقد ضعفه أو نسيه أو لم يهتد لدلالته أو اعتقد أنه منسوخ إلى غير ذلك من أسباب ·

ومعلوم أن أئمة الحديث النبوي الذين جمعوا السنة ورحلوا وطافوا البلاد لأجلها وجدوا في زمن لاحق للعصر الذي عاش فيه أئمة الفقه ·

ونظرًا لكون عملية جرد الحديث الصحيح تأخرت إلى عصر لاحق للحقبة التاريخية التي وجد فيها أئمة الاجتهاد، فإن الرجوع إلى مصادر السنة التي جمعها حفاظ الأمة يغني عن الكثير من الآراء والأقوال المنسوبة للأئمة ·

وقد رجع المعاصرون من مفسري آيات الأحكام إلى مصادر السنة، وعرضوا في ضوئها الاجتهادات، فاختاروا من الآراء ما كان متماشيًا مع الحديث ·

ففي تفسير"أضواء البيان"للشيخ الشنقيطي وهو أكثر التفاسير المعاصرة رجوعًا إلى السنة - فيما نعلم - نجد المؤلف رحمه الله يراجع جميع أمهات كتب الحديث المتوافرة لديه قبل الإقدام على الكلام في الآية ·

ففي قوله تعالى: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي (1) : قام الشيخ عند بحثه عن المراد بالإحصار بجمع مختلف الأحاديث المتعلقة بالمحصر في الكتب الستة وفي موطأ مالك ومسند الشافعي وعند البيهقي وأحمد بن حنبل وابن خزيمة والحاكم وغيرهم محتجًا بها على الحكم، ولا يكتفي الشيخ الشنقيطي بعرض الأحاديث بل يتعقب الأحاديث التي لم يخرجها الستة لبيان درجتها ناقلًا في ذلك أقوال علماء الحديث كالمنذري والنووي وابن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت