بعد المقاصة فلتتبع الأخرى بالمعروف ولتؤد الأخرى إليها بإحسان وهذا قول الشعبي وغيره وقد ذكره ابن جرير الطبري وغيره (2) ·
وعقب ابن تيمية على القوليين محددًا اختياره وما ترجح عنده بقوله:"··· لكن المعنى (الثاني) هو مدلول الآية ومقتضاه ولا إشكال عليه ···" (3) ·
درج الشيخ محمد بن أبي بكر بن القيم على نهج أستاذه ابن تيمية، فتفقه على مذهب الإمام أحمد لكنه - خلاف غيره - رفض أن يتمذهب، وفضل السير على طريقة متقدمي المجتهدين والفقهاء الذين نأوا بأنفسهم عن التقليد ·
قال:"··· ولا يلزم أحد قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره · وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة، لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبة وأجل قدرًا وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك ··· فيالله العجب! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملة إلا مذاهب أربع أنفس فقط بين سائر الأئمة والفقهاء، وهل قال ذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه أو دلت لفظة واحدة من كلامه عليه؟ والذي أوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة، لايختلف الواجب ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته وقدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال···" (1) ·
وابن القيم لم يخلف تفسيرًا للقرآن، لكنه كتب في مواضيع متصلة به"كأمثال القرآن"و"أقسام القرآن"و"تفسير الفاتحة"··، وجل تراثه في التفسير موزع بين مختلف كتبه وقد جمعه بعض المحدثين (2) ·
وقد وصف ابن القيم في كتب التاريخ والطبقات بأنه"كان عارفًا بالتفسير لايجارى فيه" (3) ، وذكر عنه ابن رجب:"··· لم أشاهد مثله في ذلك - أي العبادة - ولارأيت أوسع منه علمًا، ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو بالمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله" (4) ، وقال عنه النعيمي:"كان عارفًا عالمًا بالتفسير وبأصول الدين والفقه ···، درس بالصدرية وغيرها" (5) من مدارس الشام ·
والملاحظ على تفسير الشيخ لآيات الأحكام أنه يحرص على تتبع مختلف الآثار، فيفسر القرآن بالسنة والمنقول عن السلف والخلف من المتقدمين عليه، وقد يتعرض للغة، وهو أقل من شيخه ابن تيمية استظهارًا بآراء أئمة الاجتهاد وغالبًا ما نجده يرجح ما قرره"جمهور المفسرين"السابقين ·
ففي تفسير قوله تعالى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء الآية (6) ·
نقل ابن القيم مذهب الشافعي في المراد بقول الله تعالى: ذلك أدنى ألا تعولوا، وعقب عليه بمذهب (جمهور المفسرين) محتجًا لهم بقول أهل اللغة، ومستعرضًا آراء السلف من الصحابة والتابعين، ذاكرًا مذاهب أئمة اللغة الذين وافقوا الشافعي أو خالفوه، ثم انتهى ابن القيم إلى