وبعد ذلك"جلس الشيخ بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هيئ له لتفسير القرآن العزيز فابتدأ من أوله في تفسيره، وكان يجتمع عنده الخلق الكثير والجم الغفير من كثرة ما يورد من العلوم المتنوعة المحررة ··" (3) ·
"وكان يورد من حفظه في المجلس نحو كراسين أو أكثر وبقي يفسر في سورة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام عدة سنين" (4) ·
وقد سار ابن تيمية - رحمه الله - في تفسيره على المنهج الذي جمعه في رسالته عن"أصول التفسير" (5) فكان يلجأ في تفسيره لآيات الأحكام إلى تفسير مجملها بمفصلها ثم تفسيرها بصحيح المنقول عنه صلى الله عليه وسلم ويلجأ إلى مرويات الصحابة والتابعين، بعد ذلك يفسر بالرأي إذا انعدم المنقول وكانت الآية مما تعلق به عمل ·
ففي تفسير قوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (1) ·
أورد ابن تيمية بين يدي التفسير حديث أبي هريرة في جامع الإمام مسلم (2) ، في شأن نزول الآية، ثم عرض لنسخ الآية واتفاق السلف والخلف على ذلك (3) ، وأنها منسوخة بالآية: لايكلف الله نفسًا إلا وسعها (4) عرض لذلك في سياق طويل نفيس يشهد لصاحبه بما له من دقيق الفهم وثاقب الاستنباط، ثم قال ابن تيمية عقب ماذكره عن النسخ ملخصًا:
"والمقصود هنا أن قوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله حق، والنسخ فيها هو رفع فهم من فهم الآية ما لم تدل عليه، فمن فهم أن الله يكلف نفسًا ما لاتسعه فقد نسخ الله فهمه وظنه، ومن فهم منها أن المغفرة والعذاب بلا حكمة وعدل فقد نسخ فهمه وظنه · فقوله لايكلف الله نفسًا إلا وسعها رد للأول، وقوله لها ماكسبت وعليها ما اكتسبت رد للثاني ···" (5) ·
وانتقل ابن تيمية بعد ذلك إلى إيضاح معنى الآية مستفيدًا من تفسير القرآن بالقرآن وبالسنة الصحيحة وكلام السلف حيث جمع كل المنقول في تفسيرها (6) بعد ذلك انتقل إلى استنباط مختلف الأحكام التي تدل عليها الآية دون إفرادها بأبواب أو مسائل مستعرضًا لأجل ذلك مذاهب الأئمة الأربعة، محررًا مذهب الجمهور ملخصًا ما انتهى إليه تحت عبارة"والمقصود هنا" (7) يعني بها شيخ الإسلام ابن تيمية"الذي عليه السلف وجمهور الناس ···" (8) ، وكان ديدن الشيخ - رحمه الله - في تتبعه للأحكام الكلام في اللغة والأصول مع الرد على المبتدعة فيما انتحلوه من أهواء (9) ·
وفي تفسير قوله تعالى: كتب عليكم القصاص في القتلى (1) الآية ·
قال ابن تيمية:"وفيها قولان:"
أحدهما أن القصاص هو القود وهو أخذ الدية بدل القتل ··، وهذا قول أكثر الفقهاء، وقد ذكر ذلك الشافعي وغيره · ويحتج به طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد على أن الحر لا يقتل بالعبد لقوله والعبد بالعبد ·
القول الثاني أن القصاص في القتلى يكون بين الطائفتين المقتتلتين قتال عصبية وجاهلية، فيقتل من هؤلاء ومن هؤلاء أحرار وعبيد ونساء، فأمر الله تعالى بالعدل بين الطائفتين بأن يقاص دية حر بدية حر، ودية امرأة بدية امرأة وعبد بعبد، فإن فضل لإحدى الطائفتين شيء