الصفحة 10 من 31

ويرى بعض الصوفية أنه يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه, ورضا بقلبه ليجمع بين الأمرين:

وقال القشيري: «الأولى أن يقال أن الأوقات مختلفة, ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل, وفي بعضها السكوت أفضل, وإنما يُعرف ذلك في الوقت, لأن علم الوقت يجعل في الوقت, فإذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء, فالدعاء منه أولى, وإذا وجد إشارة إلى السكوت فهو أفضل» . [1]

فليس في السكوت فائدة لذاته, وإنما لما يترتب عليه كما أن الكلام كذلك ليس مطلوبًا لذاته, وإنما لآثاره؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ إنك ما صمت فإنك عالم فإذا تكلمت فلك أو عليك» . [2]

وقال الحكماء: الزم الصمت تعد حكيمًا ... جاهلا كنت أوعالمًا.

لأن الكلام ينبئ عن عقل صاحبه وعلمه؛ ولذا قيل عقل المرء مخبوء تحت لسانه. [3]

وقد حكى أبو يوسف أن رجلا كان يجلس إليه فيطيل الصمت, فقال أبو يوسف: «ألا تسأل؟ قال: بلى- متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غربت الشمس.

قال: فإن لم تغرب إلى نصف الليل؟ قال: فتبسم أبو يوسف, وتمثل بقول جرير:

وفي الصمت ستر للغبي وإنما صحيفة لب المرء أن يتكلما [4]

وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلم أن يكون جامعًا لأفضل الأقوال فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» . [5]

وقال: «طوبى لمن عمل بعمله وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله» . [6]

(1) - البحر المديد 5/ 378.

(2) - ذكره المتقي الهندي في كنز العمال, الكتاب الثالث من حروف الهمزة في الأخلاق من قسم الأقوال, الإكمال من الصمت, 3/ 626 رقم (6892) .

(3) - أدب الدنيا والدين للماوردي 1/ 343.

(4) - الصمت لابن أبي الدنيا 1/ 344.

(5) - أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب الأدب, باب (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره) 5/ 2240 - رقم (5672) , وأخرجه مسلم في الإيمان باب الحث على إكرام الجار والضيف, 1/ 86 رقم (47) .

(6) - أخرجه الطبراني في مسند الشاميين, حديث (المطعم عن نصيح العنسي) رقم (912) 2/ 56 - وذكره المتقي الهندي في كنز العمال, كتاب الموت من قسم الأفعال, الفصل الرابع في الرباعيات,15/ 1315 - رقم (43444) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت