الفرع الأول
أثر السياق في دلالة السكوت على الرضا والإذن
السكوت عدم محض, ولكن مع سياقاته وقرائنه وملابساته يُفهم منه دلالات يعبر عنها بالكلام, فيترجم السكوت إلى ألفاظ ومعاني لصيقة به بحسب السياق, فالسكوت عن البيان بيان, وهذه من أسرار اللغة كما قال الجرجاني: «فإنك ترى الذكر أفصح من الذكر, والصمت عن الإفادة أزيد إفادة, وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق, وأتم ما تكون بيانًا إذا لم تبن» . [1] وذلك لأن السياق قد يستدعي ترك الكلام, وتحميل المعاني, والسكوت ليشترك المتلقِّي والساكت في رسم المراد وفهمه, كما أن هناك من الدلالات ما يتوارى اللفظ عنها مجازًا أوعجزًا أورفعة, وساعتها يُحسن السكوت ليحمل هذه المعاني إلى المتلقي ويفهمها على حسب ما وردت فيه من الملابسات, فالسياق له أثره في تحديد دلالة السكوت على الحكم الشرعي, فتارة يُفهم من السكوت المشروعية, وتارة يُفهم منه عدم المشروعية, وتارة يدل على الرضا والموافقة, وتارة يدل على الإنكار والرفض, وتارة يدل على الفرح, وتارة يدل على الغضب, وتارة يدل على الإثبات, وتارة يدل على النفي, ولا يحدد المعنى المراد, ولا يمكن وضوح الدلالة من السكوت بمفرده؛ لأنه عدم محض, وأنه لا ينسب إلى ساكت قول, وإنما بمساعدة السياق الحالي أوالمقالي اللفظي أوالمعنوي, ... لما هو مقرر عند علماء اللغة أن من مكونات نظرية السياق مايلي [2] :
أوَّلًا: سياق الحال و يتكون من عدة عناصر هي:
1 -الكلام (أو النص المنشأ نفسه) .
2 -شخصية المتكلم وعلاقته بالنص.
3 -شخصية السامع ومدى علاقته بالنص.
(1) - فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين - (1/ 97)
(2) دراسات في علم اللغة لكمال بشر (القسم الثاني) 172 - 175،