مثل السؤال عن الحجِّ في كلِّ عام الذي أنكره الرسول - صلى الله عليه وسلم - على السائل، وقال: «ذروني ما تركتكم؛ فإنَّما أهلك مَن كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» . وكالسؤال عن تحريم شيء لم يحرم، فيترتَّب عليه التحريم بسبب السؤال، كما ثبت بيان خطورته في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبعد زمنه - صلى الله عليه وسلم - لا يسأل الأسئلة التي فيها تنطُّع وتكلُّف، والمعنى سكت عن أشياء فلم يفرضها ولم يوجبها ولم يحرمها، فلا يُسأل عنها، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حليم}
قال ابن رجب: «وأمَّا المسكوتُ عنه، فهو ما لم يُذكر حكمُه بتحليل ولا إيجاب ولا تحريم، فيكون معفوًّا عنه لا حرج على فاعله» . [1]
وذكر ابن حجر أنها نزلت بسبب كثرة المسائل إما على سبيل الاستهزاء أوالامتحان, وإما على سبيل التعنت عن الشيء الذي لو لم يسأل عنه لكان على الإباحة. [2]
وهذا يعنى أنها تقيد بذلك المعنى على حسب سياق النزول.
ثانيا: أثرالسياق في دلالة السكوت على الرضا أو الإذن.
لاخلاف بين الفقهاء على أنه على الولي أن يستأذن البنت البكر عند زواجها, وأنه لو استأذن الولي البكر البالغة العاقلة, فإما أن تصرح بالموافقة, وإما أن تسكت.
وقد اتفقوا على أن الرضا يتحقق منها بأحد الأمرين, إما الموافقة الصريحة, أوالسكوت, فإذا استأذنها في زواجها فسكتت, فإن سكوتها يقوم مقام القول الصريح الدال على الرضا, بشرط ألا يكون هناك قرينة دالة على أن سكوتها يُفهم منه الرفض, فسكوت البكر عند استئذانها للنكاح يعتبر رضا وإذنا [3] ، دلالة سياقية حالية لكونها بكرًا, وذلك لما ورد في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «استأمروا النساء في أبضاعهن، قيل: إن البكر تستحي وتسكت، قال: هو إذنها. وفي رواية أخرى: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها» ..
(1) - جامع العلوم (2/ 163)
(2) - فتح الباري - ابن حجر - (8/ 282)
(3) - الاستذكار 5/ 406 االموسوعة الفقهية 2/ 8803 - نيل الأوطار 9/ 484