الصفحة 2 من 31

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, الملك الحق المبين, والصلاة والسلام على أفضل المرسلين, وإمام النبيين, سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. ... وبعد ,,,

فيعد السكوت جزءًا من البيان الذي علمه الله تعالى للإنسان في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) } (الرحمن: 1: 4) .

وهو وسيلة من وسائل البيان البشري, وله من وجوه البلاغة ما لا يوجد في الكلام, ويدل على أمور قد لا يدل عليها الألفاظ, فالمتكلم في بعض السياقات يُؤثِر الدلالة عليها بالسكوت؛ لأنه رأى دلالات, قد لايقوى عليها اللفظ أويطول به السياق [1] ؛ ولهذا قد نرى في كثير من الأحيان السكوت جوابًا؛ ولذا قال الحكماء: «الحكمة عشرة أجزاء: تسعة في الصمت, والعاشر عزلة الناس» . [2]

ومن ثم فإن البيان بالسكوت قسيم البيان باللفظ, ويحتل مرتبة عالية تلي البيان باللفظ, ولأنه الأكثر استخدامًا في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد أرسله الله تعالى ليبين للناس ما نزل إليهم, وكان يسكت أكثر مما يتكلم, وهذا دليل واضح على أن سكوته - صلى الله عليه وسلم - كان وسيلة من وسائل البيان, وهي وسيلة تحتاج إلى تحليل وفهم, كما أن كلامه - صلى الله عليه وسلم - يحتاج إلى تحليل وفهم.

لكن السكوت تارة يدل على الرضا, وتارة يدل على الرفض, وتارة يكون إقرارًا, وتارة يكون إنكارًا, ويختلف في دلالته على الحكم من شخص لآخر, فسكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس كسكوت غيره, وسكوت البكر ليس كسكوت الثيب, والسكوت المصحوب بالبكاء حال الحزن ليس كالسكوت المصحوب بالضحك في مقام الفرح والاستبشار, مما يعني أن للسياق والمقام وقرائن الأحوال أثرًا بالغًا في فهم دلالات السكوت وفي تحديد دلالة السكوت على التصرف ومن ثم على الحكم؛ ولئن نشأت نظرية السياق في الغرب حديثًا وتطورت في ظل الدراسات اللغوية الحديثة، فإن الأصوليين والفقهاء سبقوا ذلك بمئات السنين حيث بينوا أهمية السياق بعناصره المقالية والحالية، ولعل أول من نص على ذلك الإمام الشافعي، إذ ذكر أن الكلام

(1) - لفظ (السياق) عند اللغويين يعنى الإطار الذي جرى فيه التفاهم بين شخصين أو أكثر. فيشمل زمن الكلام والمفاهيم المشتركة والكلام السابق للمحادثة، ويرادفه القرينة.- يراجع بتصرف: دلالة السياق وأثرها في فهم الحديث النبويد. عبد المحسن التخيفي ص 4 بتصرف بدون سنة طبع

(2) - الصمت لابن أبي الدنيا 1/ 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت