الصفحة 18 من 31

الفرع الثاني

أثر السياق في دلالة السكوت على عدم الوجوب

أولا: أثر السياق في دلالة السكوت على عدم الوجوب:

من الأحكام التى يؤثر السياق في استنباطها من السكوت, الدلالة على عدم الوجوب كما في قصة الأعرابي في الحج فيما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا, فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو قلت نعم لوجبت, ولما استطعتم ,ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم, واختلافهم على أنبيائهم, فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» . [1]

وجه الدلالة: أن الرجل سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن وجوب الحج كل عام, فقال: أكل عام يا رسول الله؟ ولو قال - صلى الله عليه وسلم - نعم. لوجب بدلالة السياق المقالي المفهوم من اللفظ (بقرينة صدر الكلام وقوله: إن الله فرض عليكم الحج, والسؤال المترتب عليه) فلو قال: نعم لوجب ولما استطاع الناس, ولو قال: لا. لامتنع الناس عن الزيادة في الحج عن مرة. [2]

والحج مفروض مرة واحدة على المستطيع فمن زاد فهو تطوع. فما كان بحسن الجواب اللفظي في الحالتين, فلم يكن أفضل جوابًا من السكوت. وليس في السياق ما يقتضي المنع من ذلك لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي ترك فعله

وقد دل السكوت على معان أهمها:

[أ] أن الحج غير مفروض كل عام , وهذا المعنى مفهوم من دلالة السياق في السؤال.

[ب] أن الحج مفروض على العباد جملة, وهو مفهوم من سياق قوله - صلى الله عليه وسلم - في صدر الحديث: «أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا» .

[ج] أن الحج لا يجب تكراره, وهو مفهوم من السكوت عن السؤال: أكل عام يا رسول الله؟

(1) - أخرجه مسلم في صحيحه, - كتاب الحج, باب فرض الحج مرة في العمر, 2/ 795 - رقم (1337) .

(2) - شرح النووي على مسلم - (9/ 102)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت