فهذه الأحاديث يستفاد منها أن الصمت أولى من الكلام في حالات كثيرة, وأنه ينبغي للإنسان أن يتحكم في لسانه, ولا يتكلم إلا عندما تكون هناك ضرورة للكلام وإلا فالصمت أولى.
وقد روي عن السلف ما يؤيد ذلك قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: «والذي لا إله غيره ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان» . [1]
يريد أن السكوت والصمت أفضل من الكلام في حالات كثيرة؛ ولذا قال الشاعر:
يموت الفتى من عثرة بلسان وليس يموت من ذلة القدم. [2]
ولهذا قيل في الأمثال: خير الكلام ما قل ودل , وإذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب, [3] وذلك ترغيبًا في الصمت في الحالات التي لا يأمن الإنسان فيها من الخوض فيما لا ينفع, والكلام فيما لا يفيد.
لا يمكن الحكم بأفضلية السكوت عن الكلام مطلقًا ولا العكس, فقد يكون الكلام أفضل من السكوت, وقد يكون السكوت أفضل في حالات, وهذا أمر يختلف بحسب القرائن والأحوال, وكذلك قرر الفقهاء أن السكوت تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة:
فقد يكون حرامًا إذا كان على منكر فيجب أن ينكره بالقول أوالفعل. [4]
وقد يكون واجبًا كما في سكوت المقتدي في الصلاة الجهرية عملا بقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: 204) .
وقوله - صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد» . [5]
(1) - ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد باب ما جاء في حسن الخلق, 8/ 49 - و المتقي الهندي في كنز العمال, كتاب الأخلاق من قسم الأفعال وفيه بابان, حفظ اللسان 3/ 1394 رقم (8894) .
(2) - مجمع الحكم والأمثال, الباب الرابع عشر: باب الصاد, - الصمت والسكوت, وقيل هو من كلام علي بن أبي طالب ج 1
(3) - قال الأوزاعي هو من كلام سليمان بن داود - يراجع: الصمت 1/ 128.
(4) - الموسوعة الفقهية الكويتية 26/ 122.
(5) - أخرجه النسائي, كتاب الافتتاح, تأويل قوله عز وجل {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} ) 2/ 141 - رقم (921) .وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح.