وأما الإنصات: فهو سكوت مع استماع, ومتى انفصل أحدهما عن الآخر لا يقال له إنصات كما في قوله تعالى: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} (الأعراف: 204) .
والإصاخة: استماع إلى ما يصعب إدراكه كالسر والصوت من المكان البعيد». [1]
وعلى هذا فالسكوت نوع من الصمت, والصمت أعم منه بخلاف الإنصات والإصاخة فهي تعني معان محددة.
الأصل في الإنسان السكوت ولا يتكلم إلا عندما يريد قضاء حاجاته, فالكلام يؤدي إلى التزام الإنسان بمسؤوليات وتبعات؛ ولهذا كان السكوت مطلوبًا في حالات كثيرة, وخاصة الكلام الذي لايفيد, أوالذي يحمل صاحبه على تبعات, وقد ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية ما يفيد أن الصمت والسكوت أفضل من الكلام في كثير من الحالات, ومن ذلك آيات كثيرة من أهمها ما يلي:
[أ] قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} (المؤمنون:1: 3) . واللغو هو: الكلام الذي لايفيد, فالسكوت أفضل منه.
[ب] ما جاء في وصف عباد الرحمن بأنهم إذا مروا باللغو مروا كرامًا أي لا يتكلمون في الباطل وما لايفيد. قال تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} (سورة الفرقان: 72) .
[ج] ما جاء في أمر الله تعالى لمريم بالصمت عندما تعود إلى القوم ومعها وليدها عيسى ابن مريم عليه السلام قال تعالى: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} (مريم:26) .
وقد كان الصيام عن الكلام مشروعًا في شرع من قبلنا, ونُهينا عنه فيما روي عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: « ... لا يتم بعد حلم ولا صمت يوم إلى الليل.» . [2]
(1) - مفاتيح الغيب للرازي 10/ 400.
(2) - ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد,. كتاب النكاح, باب في الرضاع, رقم (7367) 4/ 480 - وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه مطرف بن مازن وهو ضعيف. ص 481. - والمتقي الهندي في كنز العمال, {الإكمال} من كتاب الرضاع من قسم الأقوال ج 6 ص 413 - رقم (15679) .