الصفحة 23 من 31

فرض لكم فرائض فلا تضيعوها و حرم أشياء فلا تنتهكوها وترك أشياء من غير نسيان من ربكم و لكن رحمة منه لكم فأقبلوا و لا تبحثوا فيها». [1]

وجه الدلالة: دل هذا الحديث على أن السكوت بيان؛ لأنه سكوت متعمد من غير نسيان, فهذا السكوت يُفهم منه أمور من أهمها ما يلي:

الأمر الأول: أن ما سكت عنه فهو عفو, يعني معفو عنه, غير مؤاخذ به, فيكون حكمه على الحل, لو فعله الإنسان لا يؤاخذ به؛ لأنه لا إثم على فاعله, فهو مباح.

الأمر الثاني: أن السكوت يعني الأمر, يعني ما سكت عنه من غير نسيان فاسكتوا أنتم عنه ولا تسألوا عنه, بدليل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (المائدة: 101) وهي دلالة مفهومة من السياق؛ لأنه في مجال تفصيل الحلال والحرام, وبيان الفرائض والحدود, فكأنه قال: ما أمر به فافعلوه , وما نهي عنه فلا تفعلوه, وما سكت عنه فلا تسألوا عنه.

ولهذا كان سكوته - صلى الله عليه وسلم - في مواطن كثيرة دالًا على المشروعية والإباحة لكن هذا السكوت لم يدل على محض المشروعية إلا لأنه سكوته - صلى الله عليه وسلم - , فليس سكوت أحد غيره - صلى الله عليه وسلم - معتبرًا لهذا المعنى, فكانت دلالة الحال في أنه النبى - صلى الله عليه وسلم - مقتضيه لأن يكون السكوت منه تقريرًا للمشروعية في كل ما سكت عنه, وكذلك ظاهر السكوت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشيء يراه يصنع بحضرته يحل محل الرضى به والتقرير له [2] , وهو قسم من أقسام السنة النبوية , وهو ما يسمى بالسنة التقريرية, وهي أشياء كثيرة, وقد اتفقوا على أن تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - لما يفعل بحضرته, أو يقال ويطلع عليه بغير إنكار دال على الجواز؛ لأن العصمة تنفي عنه ما يحتمل في حق غيره مما يترتب على الإنكار فلا يقر على باطل، أما غيره فإن سكوته لا يدل على الجواز، لاحتمال أن يكون لم يتضح له الحكم, أولم يظهر له وجهه. [3]

ولهذا أمثلة كثيرة منها ما يلي:

(1) - سبق تخريجه.

(2) - عون المعبود - (6/ 118)

(3) - فتح الباري لابن حجر - (20/ 417)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت