وروي [أن] هارون الرشيد (1) حِج في زينة عظيمة، ومركب كبير، والناس يُصْرَفُوْنَ عن طريقه يمينًا وشمالًا، فمر في طريقه على رجل من أولياء الله وهو يعظ الناس لعبادة مولاه، فتقدم الغِلمان إليه، وقالوا له: اسكت فقد أقبل أمير المؤمنين، فلما حاذاه الهودج / قال: [200 ب]
(1) هارون الرشيد: (149 - 193 هـ، 766 - 809 م) . هو هارون (الرشيد) بن محمد (المهدي) بن المنصور العباسي أبو جعفر، خامس خلفاء الدولة العباسية في العراق، وأشهرهم. ولد بالري لما كان أبوه أميرًا عليها وعلى خراسان، ونشأ في دار الخلافة ببغداد، وولاه أبوه غزو الروم في القسطنطينية فصالحته الملكة (إيريني) وافتدت منه مملكتها بسبعين ألف دينار تبعث بها إلى خزانة الخليفة في كل عام. وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادي سنة 170 ه. فقام بأعبائها، وازدهرت الدولة في أيامه، واتصلت المودة بينه وبين ملك فرنسة كارنوس الكبير الملقب ب (شارلمان) فكانا يتهاديان التحف، وكان الرشيد عالمًا بالأدب وأخبار العرب والحديث والفقه، فصيحًا، له شعر، أورد صاحب (الدياريات) نماذج منه. وله محاضرات مع علماء عصره، شجاعًا، كثير الغزوات، يلقب بجبار بني العباس، حازمًا كريمًا متواضعًا، يحج سنة ويغزو سنة، لم ير خليفة أجود منه، ولم يجتمع على باب خليفة ما اجتمع على بابه من العلماء والشعراء والكتّاب والندماء، وكان يطوف أكثر الليالي متنكرًا، قال ابن دحية: وفي أيامه كملت الخلافة بكرمه وعدله وتواضعه وزيارته العلماء في ديارهم، ولهو أول خليفة لعب بالكرة والصولجان، له وقائع كثيرة مع ملوك الروم، ولم تزل جزيتهم تُحمل إليه من القسطنطينية طول حياته، وهو صاحب وقعة البرامكة، وهم من أصل فارسي، وكانوا قد استولوا على شؤون الدولة، فقلق من تحكمهم فأوقع بهم في ليلة واحدة، وأخباره كثيرة جدا، ولايته استمرت /23/ سنة وشهرين وأياما. توفي في (سناباذ) من قرى طوس