فبناء على ذلك فإنّه لا يعتد بإذن من لم يكن بالغًا عاقلًا وأوضح ذلك ابن القيم بقوله:"... فإن كان بالغًا عاقلًا لم يضمنه؛ لأنه أسقط حَقّه بالإذن فيه وإن كان صغيرًا ضمنه؛ لأنّه لا يعتبر إذنه شرعًا .."أ. هـ (70) .
فأشار - رحمه الله - إلى أهليّة الآذن بذكر شرطيها: العقل والبلوغ. ثمَّ فرغ على ذلك سقوط إذن الصبي وعدم اعتباره شرعًا. وهنا ينتقل حق الإذن إلى الولي وقد جاء في قرار هيئة كبار العلماء:"أنّه لا يجوز إجراء عمليّة جراحيّة إلاّ بإذن المريض البالغ العاقل سواءً كان رجلًا أم امرأة فإن لم يكن بالغًا عاقلًا فبإذن وليّه"أ. هـ (71) .
من شروط الإذن الطبّي أن يكون المأذون به مشروعًا فإن كان محرّمًا فإنّه لا يُعتبر هذا الإذن ولا يُعتَدُّ به.
وذلك لأنَّ الشريعة إنّما أباحت للطبيب أن يُباشر جسم المريض ويعالجه لأجل جلب المصالح ودفعًا للمفاسد المتوقّع حصولها. أمّا حين يكون تحقيق هذه المصالح مُفضيًا إلى مفاسد عظيمةٍ فإنَّ علّة إباحة عمل الطبيب تنتفي (72) .
وكذلك فإنّه ليس للمريض الحق في أن يأذن لأحدٍ بأن يُباشر عليه شيئًا ممّا حرَّمه الله. وذلك لأن جسد الإنسان إنما هو ملك لله تعالى؛ كما قال تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (المائدة:120) . ولا يحقّ لأحدٍ أن يتصرّف في ملكٍ بما يحرّمه مالكه.
قال ابن حزم - رحمه الله:"فحرام على كل من أُمِر بمعصيةٍ أن يأتمر بها فإن فعل فهو فاسق عاصٍ لله تعالى وليس له بذلك عذر وكذلك الآمر في نفسه بما لم يبح الله تعالى له فهو عاصٍ لله تعالى فاسق" (73) أ. هـ.
وبناء على ذلك قرّر الفقهاء أنَّ الإذن بالإجراء الطبّي لا يعتدّ به متى كان الإجراء غير مشروعٍ.