وأمّا الأولى: فإنّ المريض متى كان قادرًا على التعبير عن إرادته فإنّ الإذن في الإجراء الطبّي حقٌ متمحّض له لا يجوز لأحدٍ أن يفتات عليه فيه فليس لأحدٍ أن يجبره على الإذن ولا أن يأذن نيابةً عنه كما أنّه ليس لأحدٍ أن يعترض على إذنه بهذا الإجراء ما لم يكن هناك مبرر شرعي لذلك.
وذلك لأمور:-
1 -أنَّ التداوي غير واجب كما هو قول جمهور أهل العلم وقد سبق ذلك.
2 -عن عائشة رضي الله عنها قالت: (لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مَرَضه فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء فلمّا أفاق قال: ألم أنهكم أن تلدوني؟. لا يبقى أحدٌ في البيت إلاّ لُدَّ) (42) .
فقد عاقب صلى الله عليه وسلم من داواه بعد نهيه عن ذلك والعقوبة لا تكون إلا بسبب تعدٍ وهذا يوضّح أنّ إذن المريض ضروريّ لإجراء التداوي فإذا رفض التداوي فله الحق في ذلك ويكون إجباره على التداوي تعدّيًا (43) .
3 -أنّ إذن ولي المريض أو امتناعه عن الإذن في حال أهليّة المريض لاغٍ كإذن الأجنبيّ وامتناعه بجامع كون كلٍ منهما فاقدًا للصّفة الشرعيّة التي ينبغي عليها إذنه وامتناعه (44) .
ويتَّضح من جميع ما تقدم أنّ حَقّ الإذن في إجراء العمليات الطبية خاصٌّ بالمريض - إذا كان أهلًا لذلك - ومن ثمَّ فلا اعتبار لإذن أي شخص لم يعتبر الشرع إذنه ومثال ذلك إذا أذن أخ المريض بإجراء عمليّة طبيةٍ لأخيه حال أهليّة المريض وعدم موافقته فإنَّ إذنه يعتبر ساقطًا؛ لكونه غير مستندٍ على أصلٍ شرعي فالحق في هذه الحالة مختصّ بالمريض وحده (45) .
ومتى انعدمت الأهليّة فإن الإذن لا يكون من حقّ المريض.
ومنع الطبيب من إجراء العمل الطبي دون إذن لا يمنع الحجر على المريض الذي يخشى انتشار مرضه فهذا أمر آخر غير العلاج.
كما أنه لا ينافي القول بوجوب التداوي في حالة الضرورة لأن معنى الوجوب إثم التارك. والله أعلم.