فهرس الكتاب
ودليلُ قولِه: هو إطلاق قولِهِ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} (1) ، فإنَّ المرادَ بذكرِ اللهِ هو الخُطبة على ما ذكرَهُ أهلُ التَّفسير (2) ، وهو مطلقٌ غيرُ مقيَّدِ بالعربيّ، فيكونُ كالتَّذكير، في أنّه لا يشترطُ فيه خصوصيَّةُ لسانٍ دون لسان.
ويجابُ من قِبلِهما: أنَّ الخُطبةَ تُشابِهُ الصَّلاة، بل كأنّهما قائمةٌ مقامَ الصَّلاة، فكما أنَّ أذكارَ الصَّلاةِ لا تجوزُ لغيرِ العاجزِ بغيرِ العربيَّة، كذلك لا تجوزُ الخُطبةُ إلا بالعربيَّة.
وقد سئلتُ مرَّةً بعد مرَّةٍ عن هذه المسألة، فأجبتُ بأنه يجوزُ عنده مطلقًا، لكن لا يخلو عن الكراهة، فعارضني بعضُ الأعزَّةِ بأنَّ الخُطبةَ إنِّما هي لإفهامِ الحاضرين، وتعليمِ السَّامعين، وهو مفقودٌ في العربيَّةِ في الدِّيارِ العجميَّةِ بالنِّسبةِ إلى أكثرِ الحاضرين، فينبغي أن يجوزَ مطلقًا من غير كراهة.
فقلت: الكراهةُ إنّما هي لمخالفةِ السُنَّة؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ وأصحابَهُ قد خطبُوا دائمًا بالعربيَّة، ولم ينقلْ عن أحدٍ منهم أنهم خطبوا خُطبة، ولو خُطبةً غيرَ الجُمعةِ بغيرِ العربيَّة.
فعاد قائلًا: في ذلك الزَّمانِ والبلدانِ لم يكن احتياجٌ لتبديلِ اللِّسان؛ لأنَّ الحاضرينَ كانوا من العرب، ولغتُهم كانت لغةَ العرب، وأمَّا في هذه البلدانِ فليس كذلك، فيحتاجُ إلى التَّبديلِ لذلك.
(1) من سورة الجمعة، الآية (9) .
(2) ينظر: (( تفسير البيضاوي ) ) (5: 339) ، و (( تفسير النسفي ) ) (4: 246) ، و (( تفسير أبي السعود) (8: 249) ، وغيرها.