فهرس الكتاب
فعدتُ قائلًا: قد كان يحضرُ في مجالسِ الخُطبِ النَّبويَّةِ رجالٌ من الفُرسِ والرُّومِ والحَبشِ والعَجم، ولم يبدِّلْ النَّبيُّ صلَّى الله عليهِ وعلى آلهِ وسلَّمَ خُطبةً أبدًا، ولا علَّمه أحدًا، ومن المعلومِ أنَّ منهم مَن لم يكنْ يفهمُ لسانَ العربِ مطلقًا، ومنهم مَن لا يقدرُ على فَهْمِ الكثيرِ منه، وإن فهمَ قدرًا قدرًا.
وقد وردَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم لمَّا فرغَ من الخُطبةِ في بعضِ الأعيادِ وظنَّ أنَّها لم تصلْ إلى آذانِ النِّساء؛ لبعدهنّ، حضرَهُنَّ ووعظهُنَّ وخَطبَهُنّ.
ولم يروَ ولو من روايةِ الأفرادِ أنه عقدَ لمَن لم يكن يفهمُ العربيَّ مجلسًا على حدةٍ ووعظهم وخَطبهم بلغةٍ غيرِ عربية.
ولا يتوهَّمُ أنّه لم يكن النَّبي صلَّى الله عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم يعلمُ اللُّغةَ العجميَّةَ وغيرها من اللُّغاتِ الغيرِ العربيَّة، ولو كان علمَها لخطبَ بها؛ لأنَّا نقولُ بعد تسليمِ ذلك: إنَّ بعضَ الصَّحابةِ كزيدِ بن ثابتٍ قد كان تعلَّمَ اللِّسانَ العَجميَّ والرُّوميَّ والحَبشيَّ وغيرها من الألسنةِ كما صرَّحَ به في (( الإعلامِ بسيرةِ النَّبيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام ) )، وغيرِهِ من كتبِ الأعلام، فلمَ لم يأمرْهُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم بأن يخطبَهم ويعظَهُم بألسنتِهم.
وبالجملة؛ فالاحتياجُ إلى الخُطبةِ بغيرِ العربيَّةِ لتفهيمِ أصحابِ العجميَّةِ كان موجودًا في القرونِ الثَّلاثة، ومع ذلك فلم يروِ أحدٌ ذلك من أحدٍ في تلك الأزمنة، وهذا أوَّلُ دليلٍ على الكراهة.